close
The Wayback Machine - https://web.archive.org/web/20120117021206/http://islamists2day-a.blogspot.com/

الخميس، ٢٤ نوفمبر، ٢٠١١

الإخوان وغريزة البقاء

BERJAYA

خليل العناني

كثيرون وجهوا اللوم لجماعة الإخوان المسلمين بسبب عدم انضمامها للمتظاهرين في ميدان التحرير بعد اندلاع المواجهات مع قوات الأمن يوم السبت الماضي. وقد وقعت الجماعة في موقف عصيب بين قرار النزول للشارع من عدمه. وقبل تحليل قرار الجماعة يجب الإشارة إلي حقيقة مفادها أن أولئك الذين يوجهون اللوم للجماعة بعدم النزول، هم أنفسهم الذين لاموها بسبب نزولها في ميليونية يوم الجمعة 18 نوفمبر. أي أنهم يلقون باللوم علي الجماعة في جميع الأحوال، ودون أن يوجهوا اللوم إلي بقية القوى السياسية التي اتخذت نفس قرار الجماعة بعدم النزول.

أما فيما يخص قرار الإخوان بعدم النزول للتحرير فيجب وضعه في إطار الصورة الأوسع للأحداث. فأولاً هناك حالة استقطاب حادة وصلت إليها العلاقة بين الإخوان (بالإضافة إلي غيرهم من الإسلاميين) والمجلس العسكري بعد رفضهم تمرير وثيقة "المبادئ فوق الدستورية" التي وضعها علي السلمي نائب رئيس الوزراء. وهو ما يعني أن النزول قد يزيد من حدة هذا الاستقطاب وربما يؤدي إلي مواجهة غير مضمونة العواقب ليس فقط مع قوات الشرطة والمجلس العسكري وإنما أيضا مع بقية القوى السياسية التي تتربص بالجماعة. ثانياً، هناك قدر عالٍ من الضبابية وعدم اليقين حول كيفية اندلاع الأحداث وتصاعدها بشكل غير واضح، على الأقل حتى الآن، وهو ما فهمه الإخوان (وربما غيرهم) كما لو أنه محاولة مقصودة لتوريطهم في مواجهة مع المجلس العسكري. ولعل ذلك ما يفسر حديث الإخوان المتكرر في بياناتهم وتصريحاتهم عن وجود مؤامرة للزج بهم في هذه المواجهة. ثالثاً، هناك حالة انقسام وربما قطيعة بين الإخوان والقوى الليبرالية بسبب وثيقة السلمي، وهو ما يجعل أي نزول للإخوان بدون الليبراليين، إعطاء ميدان التحرير صبغة إسلامية واعتبارها محاولة لاستعراض القوة، ما قد يعني في أقل الأحوال تبرير قمع الإخوان وفي أسوأها تنفيذ السيناريو الجزائري والانقلاب علي الثورة وإلغاء الانتخابات. وهنا نأتي للنقطة الرابعة وهي أن نزول الإخوان للميدان كان سيعني، في حال استمرار المواجهات، تعطيل الانتخابات وإعطاء العسكر ذريعة للهروب من استحقاقات تسليم السلطة لحكومة مدنية منتخبة حسبما تقتضي خريطة الطريق التي أقرتها التعديلات الدستورية في 19 مارس 2011. أما النقطة الأخيرة فهي أن قرار النزول ربما رأه الإخوان "قراراً انتحارياً" لأنه لن يعني فقط الدخول في أول مواجهة مباشرة مع الدولة المصرية (المجلس العسكري هو الحاكم الفعلي لمصر شئنا أم أبينا) منذ عام 1954، وإنما أيضا خسارة كل المكاسب الكبيرة التي حققتها الجماعة منذ ثورة 25 يناير وحتى الآن. وقد يتساءل البعض أن مصر في حالة ثورة ما يعني استبعاد تكرار سيناريو 1954، وهذا صحيح، بيد أن عملية التفتيت وامتصاص الزخم الثوري والاستزاف السياسي التي جرت مع القوى السياسية طيلة الشهور التسعة الماضية (تماماً مثلما فعل عبد الناصر حين حظر الأحزاب في يناير 1953 وبعدها بعام تم حظر الجماعة في يناير 1954) يجعل أي قرار للإخوان بالنزول للشارع دون دعم شعبي وتحت مظلة سياسية واسعة مغامرة غير محمودة العواقب، وقد يؤدي في أقل الأحوال إلي حظر حزب "الحرية والعدالة" والزج بالعشرات من أعضاء الجماعة في السجون.

وهنا نأتي لقرار الإخوان بعدم النزول والذي يمكن فهمه وتحليله من خلال معادلة المكسب والخسارة في كلا الحالين (النزول أو عدمه). هنا يجب التعامل مع جماعة الإخوان ليس باعتبارها جماعة دينية محضة (هنا لا يمكن مقارنة الجماعة بالتيار السلفي الذي اتخذ قراراً بالنزول ليس فقط لأنه لا يتمتع ببنية تنظيمية يمكن ضربها أو حظرها وإنما أيضا كونه لا يتمتع بنفس الحجم والتأثير) وإنما باعتبارها حركة اجتماعية وسياسية لديها حسابات دقيقة ومعقدة تحكم عملية صناعة القرار بداخلها.

ونبدأ بقرار النزول، هنا قد تتمثل المكاسب فيما يلي: أولاً إرضاء المتظاهرين والمعتصمين في التحرير نفسياً ومعنوياً. ثانياً، تأكيد الطابع الجماهيري (وليس النخبوي) لجماعة الإخوان باعتبارها جماعة الشعب group of the people التي تتلاحم معه وتسانده في جميع الأحوال وليست منفصلة عنه. أما فيما يتعلق بالخسائر المحتملة فهي ما يلي: أولاً الدخول في مواجهة حتمية مع قوات الشرطة (وهنا لا نعرف إذا كانت الداخلية أم الشرطة العسكرية). وحتمية المواجهة هنا لن تأتي من رغبة الإخوان في ممارسة العنف بقدر ما ستكون رداً على استفزازات كلا الطرفين سواء الغاضبين من المتظاهرين أو الرد العنيف من الشرطة على احتجاجاتهم. أي سيقع الإخوان في ورطة لا مخرج منها، فهم إن لم يدافعوا عن المتظاهرين مثلما فعلوا فيما يُعرف بـ"موقعة الجمل" فسوف يُنعتون بالجبن والخذلان، وإذا اشتبكوا فسوف يُتهمون بممارسة العنف وسيتم استحضار كافة الذكريات عن عنف الجماعة في أربعينيات القرن الماضي ولن يرحمهم أحد. ثانياً، سيتم صبغ المتظاهرين والمعتصمين في التحرير باللون الإسلامي ما يعني مزيد من الانقسامات السياسية وربما الاجتماعية أفقياً وعمودياً من جهة، وإعطاء مبرر لقمع الإخوان من جهة أخري وحيئنذ لن يدافع عنهم أحد. ثالثاً، إعطاء مبرر للعسكر لإلغاء الانتخابات بسبب عدم استقرار الأوضاع الأمنية وانقسام المجتمع حول كيفية الخروج من المأزق.

أما فيما يخص قرار عدم النزول فإن مكاسبه تتمثل فيما يلي: أولاً، تجنب المواجهة الحتمية مع الشرطة والمجلس العسكري. ثانياً، عدم توفير أي ذريعة لتأجيل الانتخابات. ثالثاً، عدم توفير ذريعة لالغاء المسار السياسي رغم مساوئه لنقل السلطة إلي المدنيين. رابعاً، عدم زيادة الانقسام مع النخبة السياسية وتجنب دفع ثمن أخطاء العسكر دون غيرهم. خامساً، تجنب سفك مزيد من الدماء في ظل احتمالات خروج الأمر عن السيطرة خاصة من شباب الجماعة الساخطين.

أما خسائر عدم النزول فتتمثل فيما يلي: أولاً، تشويه صورة الإخوان إعلامياً وشعبياً بسبب تخاذلهم عن الانتصار للمتظاهرين والمعتصمين في التحرير. ثانياً، احتمالات تراجع التأييد الشعبي لمرشحي الإخوان إذا ما أُجريت الانتخابات. ثالثاً حدوث بعض التذمر والتوتر داخل الجماعة خاصة بين الشباب الذي قد يرفضوا قرار الجماعة بعدم النزول.

في ظل هذه الحسابات المعقدة، كان قرار الإخوان بعدم النزول، من وجهة نظرهم، هو الأفضل إن لم يكن لتحقيق المكاسب التي سبق ذكرها، فعلى لتقليل الخسائر وفق منطق أخف الضررين. فخسائر عدم النزول يمكن تعويضها علي المدى القريب، أما خسائر النزول فقد تكون كارثية وربما تعيد الجماعة إلي وضع ما قبل 25 يناير وهو ما لا يمكن لأحد في الجماعة أن يقبله مهما كان الثمن. وفي النهاية فسيظل التاريخ كفيلاً بالحكم علي قرار الجماعة بعدم النزول الذي حكمته غريزة البقاء.

السبت، ١٨ يونيو، ٢٠١١

تحوّلات «المشهد الإسلامي» في مصر

BERJAYAخليل العناني *

تعمّدت عدم الكتابة عن الحالة الإسلامية في مصر في مرحلة ما بعد «ثورة 25 يناير» إلى أن تهدأ الأوضاع وينجلي غبار الثورة وتتضح ملامح الخارطة السياسية الجديدة التي تتشكل في مصر الآن. وإذا كان من المبكّر إصدار أحكام نهائية لما قد تفضي إليه الأوضاع في ما يخص شكل الحالة الإسلامية في مصر ومستقبلها، إلا أنه يمكن استخلاص بعض الملاحظات العامة التي قد تمثل نقاط ارتكاز لفهم هذه الحالة واختبار تحوّلاتها الجديدة.

لعل أول هذه الملاحظات هو التعددية والتنوع الشديد، الذي يصل أحياناً إلى درجة التشظي داخل الحالة الإسلامية. وأقصد هنا التعددية ببُعديها الحركي والفكري. في ما يخص البُعد الحركي، فقد كانت إحدى نتائج حالة الانسداد السياسي التي كرّسها نظام مبارك هي إغلاق المجال العام أمام تطور الحالة الإسلامية وتعددها، ما أدى إلى انحسارها في تيارين رئيسيين: أولهما التيار البراغماتي (المُسالِم) الذي اضطُرّ لقبول قواعد اللعبة السياسية التي وضعها نظام مبارك وقام بتحديد أجندته وخطابه وتحركاته في ضوء السقف الذي وضعته السلطة، وهذا التيار يشمل «الإخوان المسلمين» والسلفيين والإسلاميين المستقلين. والتيار الثاني هو التيار الراديكالي، الذي سعى الى مواجهة السلطة من خلال استخدام العنف، وعندما فشل في إنجاز ذلك، نتيجةَ الضربات الأمنية المتواصلة، استسلم واضطر للقيام بمراجعات فكرية وأيديولوجية نَبَذَ فيها العنف، وتوقف عن استخدام السلاح لتحقيق أهدافه السياسية. هذه الثنائية «الإجبارية» أدت إلى تشويه فكرة العمل الإسلامي الحركي، حيث تخمّر في الذهن العام أن الانتماء الى أي جماعة إسلامية، ولو معتدلة، يعني معارضة السلطة والدخول في مواجهة معها، وهو ما صرف الكثيرين عن الانتماء الحزبي لهذه الجماعات وتفضيل البقاء في المساحة الدينية غير المسيَّسة.

أما في مرحلة ما بعد ثورة 25 يناير، فقد حدث نوع من «الانفجار» في التكوينات السياسية التي تستلهم المرجعية الدينية، وبات العمل السياسي هو الطريق المفضّل لدى الكثيرين من المنتمين للتيارات الإسلامية، بما فيها تلك التي ترفض، وربما تحرّم الممارسة السياسية والنشاط الحزبي على أسس دينية وأيديولوجية، كالسلفيين والجهاديين السابقين، من أجل إنفاذ مشاريعها الدينية والسياسية والحصول على مساحة شرعية في الفضاء العام. ففضلاً عن تأسيس جماعة «الإخوان المسلمين» لحزب «الحرية والعدالة»، وذلك للمرة الأولى في تاريخها، وهي تجربة تستحق التعليق ولكن ليس الآن، فقد شرع بعض المنتمين الى التيار السلفي في تأسيس أحزاب جديدة، تبلوَرَ منها حتى الآن حزبان، هما «النور» و «الفضيلة»، وربما تظهر أحزاب جديدة في وقت لاحق، خاصة في ظل حالة السيولة الشديدة التي يمر بها التيار السلفي. بيد أن المثير حقاً، هو تحوّل التيار الجهادي السابق («الجماعة الإسلامية» وتنظيم «الجهاد») واتجاه قياداته نحو المشاركة السياسية والحزبية بشكل فعّال، ففي ما يخص «الجماعة الإسلامية» (وهي التي شهدت تسيُّساً ونزوعاً واضحَيْن باتجاه العمل العام منذ خروج أعضائها من السجون طيلةَ العقد الماضي)، قرر مجلس الشورى الجديد فيها (تم انتخابه مؤخراً) الشروعَ في إنشاء حزب سياسي، وتم اختيار طارق الزمر، المتهم في اغتيال الرئيس المصري أنور السادات والمُفْرَج عنه مع قريبه عبود الزمر بعد ثورة 25 يناير، كي يكون وكيلاً لمؤسسي الحزب الجديد، مع القياديَّيْن الجهادييْن السابقيْن صفوت عبد الغني ومحمود طه. أما جماعة «الجهاد»، فقد قررت إنشاء حزب «السلامة والتنمية»، وتم اختيار الباحث المعروف والقيادي السابق في الجماعة كمال حبيب رئيساً للحزب. في الوقت ذاته، هناك محاولات لمن يصفون أنفسهم بأنهم «إسلاميون مستقلون» لإنشاء أحزاب سياسية، منها على سبيل المثال حزب «التوحيد العربي»، وهو يمثل امتداداً (وربما انشقاقاً) عن حزب «العمل» الإسلامي المجمَّد منذ منتصف تسعينات القرن الماضي، وكذلك حزب «التغيير والتنمية المصري»، الذي أسسه بعض المحسوبين على «التيار الإسلامي بمعناه الحضاري»، بحسب ما نُشر عن الحزب.

أما في ما يخص التعددية الفكرية، فيبدو واضحاً مدى التنوع الفكري والأيديولوجي والخطابي الذي تعكسه الحالة الإسلامية في مصر بعد الثورة، فلم تعد التقسيمات الثنائية التقليدية (معتدل/ متطرف، إخواني/ سلفي، أصولي/ جهادي) هي الأنسب لتوصيف هذه الحالة، ولربما الأصح الآن أن نتحدث عن تيارات إسلامية ذات نزعة «مدنية» أو ليبرالية، وأخرى ذات نزعة تقليدية أو محافِظة. وثمة أيضاً تحولات جذرية في الخطاب السياسي والأيديولوجي (وأحياناً العقائدي) لهذه التيارات، لعل أبرزها ما يحدث داخل التيار السلفي، الذي تحوّل موقفه تدريجاً من تحريم العمل السياسي والحزبي والرفض المطلق للسياسة، إلى القبول بشروط العمل السياسي، ثم أخيراً إلى الانخراط فيه بشكل كامل. صحيح أنه من الصعب تعميم هذه الحال على مجمل التيار السلفي، الذي يضم تحت عباءته جماعات وتجمّعات متنوعة، إلا أنه بوجه عام، هناك تحولات جوهرية في المزاج السلفي في اتجاه الانخراط بالعمل العام بمعناه الأوسع. ويظهر التحول الأبرز في مضمون البرامج التي تطرحها المشاريع الحزبية السلفية (حزبي النور والفضيلة)، التي باتت لا تختلف كثيراً عما تطرحه بقية الأحزاب السياسية المصرية، التي تضع قيم الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية واللجوء إلى العمل السياسي السلمي على رأس أولوياتها.

تعكس هذه الإشارات طبيعة التطور (وربما المخاض) الذي تمر به «الحالة السلفية» في مصر، سواء من حيث الأفكار (القبول بقواعد اللعبة السياسية، بناء التحالفات، قبول التعددية، احترام الآخر... إلخ)، أو من حيث لغة الخطاب والأدوات والتكتيكات، حيث تجاوزت الحالة السلفية استخدام المساجد كمنصة لترويج أفكارها، ويتم الآن استخدام كافة النوافذ التكنولوجية، كالفضائيات، أو تلك المتاحة على شبكة الإنترنت («يوتيوب»، «فايسبوك»، «تويتر») فضلاً عن تنظيم المؤتمرات والتظاهرات العامة.

ويبقى التحول الأيديولوجي الأبرز في مواقف الجهاديين السابقين، الذين كانوا يرفضون العمل السياسي، ويكفّرون كل من يشارك في الحياة السياسية ويحرّمون الأحزاب، فإذا بهم يقبلون بالعمل السياسي والحزبي، وذلك في ما قد يوصف بـ «المراجعات السياسية»، بحسب تعبير الصحافي علي عبد العال، المختص بمتابعة الحالة السلفية والجهادية في موقع «أون إسلام». ولن تتوقف هذه التحولات ما دامت هناك حالة انفتاح سياسي متزايد في مصر.

الملاحظة الثانية هي حول الدينامية الداخلية في مختلف التيارات الإسلامية، التي شهدت ركوداً تنظيمياً وفكرياً وجيلياً على مدار العقود الأربعة الماضية، فقد أحدثت ثورة 25 يناير «ثقباً» كبيراً فى جدران الجمود والتصلب داخل هذه الحركات، ودخل معظمها في عملية حراك داخلي وإعادة ترتيب للأوضاع، بشكل يعكس أحياناً التطور وإعادة تنظيم الصفوف، بل وتنظيم الصراع والخلاف أحياناً أخرى.

وباستثناء جماعة «الإخوان المسلمين»، التي تبدو مشغولة حالياً بالتركيز على عملية إعادة صياغة النظام السياسي المصري بما يضمن لها وضعاً يتناسب مع تاريخها وقوتها، ما يعطّل نسبياً الحراك الداخلي، وذلك رغم التذمر المتزايد لدى جيل الشباب من استمرار هيمنة الكبار والمحافظين على مقاليد الجماعة والحزب، رغم انتفاء الخطر الأمني، فإن التياريْن «السلفي» و «الجهادي السابق» يشهدان تحولات تنظيمية ذات مغزى، فقد قامت جماعة «الدعوة السلفية» المتمركزة في الإسكندرية، والتي تمثل القلب التنظيمي للتيار السلفي في مصر، بإعادة ترتيب أوضاعها الداخلية، وتم اختيار مجلس جديد لإدارة الحركة أطلقت عليه «المجلس الرئاسي»، فضلاً عن تنشيط هياكلها التنظيمية في جميع أنحاء مصر، من خلال المجالين الدعوي والخيري. ومن الملفت للنظر، أن «الدعوة السلفية» رغم إعلانها المشاركة بإيجابية في الحياة السياسية، إلا أنها لم تقرر التحول إلى حزب سياسي، أو حتى تبنيّ حزب معين. صحيح أن أعضاء الحركة هم أمْيَل إلى دعم حزبَي «النور» و «الفضيلة» السلفييْن، بيد أنه لا يوجد أيُّ ارتباط تنظيمي أو سياسي بين الطرفين. والمفارقة هنا، أن «الدعوة السلفية» تبدو أكثر «تقدمية» وذكاءً من جماعة «الإخوان المسلمين»، التي تصرّ على إبقاء حزب «الحرية والعدالة» تحت وصايتها الأيديولوجية والسياسية.

أما ما يحدث في التيارات الجهادية السابقة، خاصة «الجماعة الإسلامية»، فيثير النظر والتأمل، حيث قامت «الجماعة الإسلامية» قبل أسابيع قليلة، وبشكل علني لأول مرة في تاريخها، بإجراء انتخابات لاختيار أمير الجماعة ونائبه ومجلس الشورى الجديد (وذلك بعدما تم اختيار الجمعية العمومية ومجالس شورى المحافظات خلال الشهور الماضية)، وقد حدثت مفاجآت كبيرة في هذه الانتخابات، تمثّلت في إقصاء القيادي المعروف في الجماعة كرم زهدي، فضلاً عن استقالة مؤسس الجماعة ناجح إبراهيم من مجلس الشورى الجديد رغم انتخابه، وذلك احتجاجاً على إقصاء زهدي.

الملاحظة الثالثة هي استحواذ مسألة الهوية على الجانب الأكبر من خطابات التيارات الإسلامية في مصر ما بعد الثورة وأجندتها. والهوية هنا تتجاوز الإطار التنظيمي الضيق إلى فضائها الحضاري. صحيح أن هذه القضية كانت موجودة دائماً على أجندة التيارات الدينية ولو بشكل تعبوي وتوظيفي، إلا أنها برزت بشكل صارخ نتيجةَ حالة الاستقطاب والتصعيد مع التيارات الليبرالية والعلمانية خلال الشهور الماضية. وقد تكرّست هذه القضية بسبب حملات التشكيك والتفزيع التي يمارسها كل طرف تجاه الآخر. ويعكس الوجود المتزايد لمسألة الهوية في الفضاء العام، إشكاليةُ العلاقة بين الدين والمجتمع، وبين الدين والدولة، وهي مسائل غيّبها نظام مبارك قسراً عن النقاش العام، وهو ما دفعها إلى السطح بشكل مفاجئ. وسوف تظل هذه المسألة بمثابة ميزان لقياس مستقبل العلاقة بين التيارات الإسلامية والقوى الليبرالية والعلمانية خلال المرحلة المقبلة.

جريدة الحياة 15/6/2011

http://www.daralhayat.com/print/277999

الجمعة، ٢٦ نوفمبر، ٢٠١٠

«فقه الانتخابات» في الخطاب الإخواني

BERJAYAخليل العناني

الأصل في مسألة الانتخابات عند جماعة «الإخوان المسلمين» هو المشاركة وليس المقاطعة، ولا ضير في ذلك، ما دامت السياسة في «الفقه» الإخواني هي صنو الدين وأحد أصوله وذلك بحسب ما ورد في كثير من رسائل مؤسس الجماعة الإمام حسن البنا الذي لخّص هذه المسألة في تعبيره الشهير «الإسلام دين ودولة». وبما أن السياسة أصل (واجب ديني) والانتخابات فرع، فإن ما يحق في الأصل يوجب على الفرع. وعليه فقد جرت العادة أن تشارك الجماعة في أية انتخابات كلما سنحت الفرصة لها بذلك وهو ما حدث طيلة العقود الثمانية الماضية.

بيد أن المشكلة تقع حين يتعارض الأصل مع الفرع، ويتحول هذا الأخير كي يصبح أصلاً يجب اتباعه ويؤثم ترْكه. فالسياسة فى الفهم الإخواني لا تُطلب لذاتها وإنما هي وسيلة تهدف إلى «إصلاح الأمة ونشر الفكرة الإسلامية» (رسالة المؤتمر الخامس). وعليه إذا انتفت الغاية، سقطت الوسيلة وانتفت حجتها، وذلك بحسب قاعدة «العلة تدور مع المعلول وجوداً وعدماً». وهنا بيت القصيد، فإذا كان «الإخوان» يعلنون دوماً أنهم لا يطمعون في السلطة ولا يسعون إليها، يصبح التساؤل حول جدوى المشاركة في الانتخابات أمراً مشروعاً. وهنا نجد أنفسنا أمام أحد تفسيرين، فإما أن الجماعة لا تفهم المعنى الحقيقي للسياسة وما يتفرع عنها من التزامات كالمشاركة في الانتخابات وتكوين الأحزاب... إلخ. وإما أنها تُعرّف السياسة بوظائفها وأدواتها وليس بغاياتها ومآلاتها. بعبارة أخرى، إذا كانت الجماعة ترى أن العمل السياسي هو مجرد أداة لتحقيق أهداف أخرى، فإن ما يترتب على هذا العمل يصبح أيضاً مجرد وسيلة تدعم تحقيق هذه الأهداف، ويصبح لاحقاً انتفاء الهدف هو نفي للوسيلة وإبطال لها.

وما حدث خلال العقود الثلاثة الماضية هو أن جماعة «الإخوان» المصرية حوّلت الفرع (الانتخابات) إلى أصل، فباتت المشاركة هدفاً بحد ذاته، وهي إن لم تكن بهدف تحصيل السلطة، فهي قطعاً بهدف منع الأذى وفق مبدأ الحصانة والمساومة البرلمانية، وهو مبدأ سياسي وقانوني بامتياز وليس في حاجة إلى تبرير ديني. بيد أن ما حدث أخيراً هو أن جماعة «الإخوان المسلمين» في مصر قررت المشاركة في الانتخابات البرلمانية المقرر إجراؤها أواخر شهر تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري. وكان يكفي الجماعة أن تبرر قرار مشاركتها، والذي جاء معاكساً لرغبة الكثيرين في المقاطعة، باعتبارات سياسية أو تنظيمية. ولكن ما حدث هو أن أحد القيادات الدينية في الجماعة وأبرز وجوهها الجدد (الدكتور عبد الرحمن عبد البر عضو مكتب الإرشاد) قد أصدر فتوى شرعية توجب المشاركة في الانتخابات وتؤثّم من يقاطعها. وهي فتوى أصولية بامتياز، ليس فقط لجهة لغتها ومفرداتها التي تبدو جديدة تماماً على الخطاب الإخواني وأقرب الى الخطاب السلفي التقليدي، وإنما أيضاً لما تحمله من دلالات سياسية ودينية لا يمكن إغفالها.

فهي أولاً، وكما ذكرنا آنفاً، فتوى تستهدف تحويل الفرع إلى أصل. فصاحب الفتوى، وبعد التحرير الفقهي لمسألة مشروعية الانتخابات باعتبارها من المستجدات التي لم يرد فيها نص شرعي، يقرّر أن المشاركة فيها واجب يدخل ضمن باب «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، وذلك بغض النظر عن مسألة الاستطاعة من عدمها. في حين يعتبر أن الدعوة الى مقاطعة الانتخابات هي أشبه بـ «التولي يوم الزحف» (وإن كان صاحب الفتوى قد سحب هذا اللفظ أخيراً مستبدلاً إياه بـ «الهروب من المسؤولية» ولا فرق هنا فالمعنى واضح). وهو قد بنى حكمه الفقهي على اعتبار أن «العمل النيابي هو أسلوب من أساليب الحسبة» وأن المجالس التشريعية هي «منابر من منابر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر». وهذه أيضاً إضافة جديدة على الخطاب الإخواني الذي لم يعرف مسبقاً مفهوم الحسبة، على الأقل في ما يخص مسألة الانتخابات. ويزداد الأمر غرابة حين يقرر صاحب الفتوى أن المشاركة في الانتخابات «ترشيحاً وإدلاء بالصوت» هي نوع من «الجهاد الأكبر» اللازم «لإزالة المنكرات» (نص الفتوى والتعقيب عليها منشوران على موقع «إخوان أونلاين»).

ثانياً: ان هذه الفتوى تنقل مسألة الانتخابات، بكل ما تحمله من حسابات وممارسات قد يتعارض بعضها مع أصول الدين وفروعه، من الفضاء السياسي المحض إلى الفضاء الديني. كما أنها تنقل قضية المشاركة في الانتخابات من باب المصالح المرسلة إلى باب الواجبات المقررة شرعاً. وبما أن العبرة هي بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، تصبح مقاطعة الانتخابات مخالفة دينية يؤثَم صاحبها، ويصبح جميع الداعين الى ذلك آثمين، سواء كانوا من خارج جماعة «الإخوان» أو من المنتمين الى أحد فروعها الإقليمية، مثلما هي الحال مع «إخوان» الأردن الذين قرروا مقاطعة الانتخابات التشريعية المقررة الأسبوع المقبل. وهو قول لم يجرؤ عليه أحد من قيادات «الإخوان» طيلة تاريخها. فعلى سبيل المثال حين دعا مؤسس الجماعة للمشاركة في انتخابات 1942 وانتخابات 1944 لم يجعلها تكليفاً شرعياً ولم يلزم بها أحداً سواء من الجماعة أو خارجها.

ثالثاً، تُسقط هذه الفتوى أي ادعاءت إخوانية بإجراء تصويت داخلي على قرار المشاركة من عدمه وذلك بحسب ما أعلن المرشد العام للجماعة الدكتور محمد بديع الذي قال إن نسبة التصويت على خيار المشاركة وصلت الى حوالى 96 في المئة وهو ما نفاه لاحقاً أحد قيادات الجماعة. وفي كل الأحوال لا يمكن الفصل بين قرار المشاركة والفتوى الصادرة بموجبها، فحين يتم إرسال مثل هذه الفتوى الى القواعد والقيادات الإخوانية، فلا مناص من السمع والطاعة وإلا أصبح من يرفضها آثماً شرعاً، وخارجاً عن التنظيم مثلما حدث مع بعض الرافضين للمشاركة.

رابعاً، لا تستقيم هذه الفتوى مع المبدأ الفقهي المعروف «درء المفاسد مُقدّم على جلب المصالح»، وإذا كان صاحب الفتوى قد استأنس بهذا المبدأ من أجل تبرير المشاركة في الانتخابات باعتبارها إحدى وسائل مراقبة الحكومة، فإنه قد تجاهل المفاسد المترتبة على المشاركة في ما يخص المآسي التي تقع لأهالي المرشحين من «الإخوان» وعائلاتهم، ويكفي أن نطالع أخبار الصحف المصرية كي نعرف حجم القمع الذي يتعرض له أعضاء الجماعة منذ أن قررت المشاركة في الانتخابات المقبلة. وهنا قد يُرَد على مثل هذه الفتوى بالقول إنها تتعارض مع نص قرآني صريح هو «ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة».

أما في ما يخص الدلالات السياسية للمشاركة في الانتخابات، فإنها تؤكد مجدداً أن الانتخابات قد تحولت من وسيلة إلى غاية بحد ذاتها وهو ما يكشفه الخطاب الإخواني بوضوح. أو على الأقل باتت طقساً روتينياً تمارسه الجماعة من أجل تحقيق فوائد عدة: أولاً أن المشاركة في الانتخابات تساهم فى تكريس «الشرعية الواقعية» لجماعة «الإخوان» التي لا تحظى بالاعتراف الرسمي من النظام المصري الذي قد يفسّر مقاطعتها للانتخابات على أنها نجاح لسياساته الإقصائية تجاهها. ثانياً، إن المشاركة في الانتخابات هي بمثابة فرصة ذهبية من أجل تدريب الكوادر الإخوانية على العمل العام واكتساب مهارة التعاطي مع السلطات (وذلك كما ورد في حوار رئيس لجنة الانتخابات في «الإخوان» مع جريدة «الشروق» المصرية فى 16 تشرين الاول / أكتوبر الماضي). ثالثاً، ان موسم الانتخابات يمنح الجماعة مساحة معتبرة من التواجد الإعلامي والحقوقي ويساهم في تكريس صورتها كـ «ضحية» أمام الرأي العام. ورابعاً، ان الانتخابات تمنح «الإخوان» قدراً من الحصانة البرلمانية إذا فاز مرشحوها قد تمكن الجماعة من مواصلة نشاطها التنظيمي. وهذه جميعاً أهداف مشروعة لم تكن في حاجة الى فتوى دينية كي تبرّرها.

منبع الخطورة في الفتوى الإخوانية ليس فقط كونها تمارس ذلك الخلط المعتاد بين الفضاءين الديني والسياسي، وإنما أيضاً لأنها تعيد غزل مفردات الخطاب الديني والسياسي للجماعة الأكثر اعتدالاً كي يصبح أكثر أصولية وانغلاقاً ما قد يؤدي إلى عزلتها وانكفائها.

نشر بجريدة الحياة

http://international.daralhayat.com/internationalarticle/198618


الأربعاء، ٣ مارس، ٢٠١٠

عسكرة الإخوان

BERJAYAخليل العناني
لم يكن مفاجئاً أن تقوم السلطات المصرية باعتقال مجموعة من أبرز قيادات جماعة الإخوان المسلمين قبل أيام، وهو ما توقعه الكثيرون خلال الأسابيع القليلة الماضية. بيد أن المفاجأة كانت فى لائحة الاتهامات التي تم توجيها هذه المرة للمعتقلين، وأغلبها لا يخلو من السذاجة التي تصل أحياناً إلى حد الفُكاهة.ويبدو أن النظام المصرى قد ملّ تكرار لائحة الاتهامات التقليدية التي كان يتم توجيها لأعضاء الجماعة مثل (الاشتراك فى جماعة محظورة، وتوزيع منشورات تعمل على تهديد بالأمن والسلم الاجتماعي .. إلخ)، فتم وضع لائحة اتهامات جديدة أبرز ما فيها (تكوين تنظيم ينتمي لأفكار سيد قطب ويحمل منهج تكفيري ويسعى إلى تنظيم معسكرات مسلحة للقيام بأعمال عدائية داخل البلاد).
ولعل أغرب الاتهامات هذه المرة هو ما ورد فى تحقيقات نيابة أمن الدولة العليا (القضية رقم 202) باتهام الدكتور محمود عزت، نائب المرشد العام، بأنه المرشد السرى للجماعة حيث (قامت قيادات مجلس الشورى العالمي (إخوان الخارج) بمبايعته سراً قبل أسبوعين من الإعلان الرسمي عن اختيار محمد بديع مرشداً عاماً للجماعة) وذلك حسبما ورد فى جريدة المصري اليوم (11/2). في حين كان أطرف الاتهامات هو تضمين لائحتها تهمة جديدة تتعلق بضبط وحيازة كتاب التفسير المعروف "في ظلال القرآن" للراحل سيد قطب فى منازل بعض المعتقلين.

يخطئ النظام إذا ما اعتقد بأن هذه الاتهامات قد تؤثر سلباً علي مصداقية الإخوان وعلي صورتهم المجتمعية. فعلى الرغم من العيوب التي توجد في الخطاب السياسي للإخوان، إلا أن الجميع يعرف أنها جماعة معتدلة دينياً وتسعى للمشاركة السلمية في الحياة السياسية. وأن كل محاولة للربط بينها وبين الإرهاب سيكون مصيرها الفشل.

معضلة النظام المصرى مع جماعة الإخوان، أنه ليس قادراً على هضمها ودمجها كي تصبح عضواً طبيعياً فى الجسد المصرى له حق الوجود والمشاركة، ولا هو نجح فى استئصالها من جذورها، كي يرتاح ويريح المجتمع والشارع المصرى من هذا الصراع العبثي.

ومن المفارقات أن السلطات المصرية لم تتحرك لوقف الانتخابات الاخوانية الداخلية التي أجريت مؤخراً فى ظل ضوضاء وصخب إعلامي غير مسبوق. وكان الأجدر، طالما أن الإخوان جماعة محظورة قانوناً، أن يتم ضبط المرشد الجديد "متلبساً" وهو يعقد مؤتمراً صحفياً عالمياً يدّشن فيه ولايته الجديدة. ربما كان النظام يتمني أن يتعمق الصراع والانقسام داخل الجماعة خلال الشهور الماضية، بما قد يؤدى إلى حدوث شرخ تنظيمي يهدد بقاءها، بيد أن ذلك لم يحدث مما حدا بالنظام إلى اللجوء إلى الخيار التقليدي وهو القمع والاعتقال.

ولربما يتساءل البعض حول توقيت الحملة الأخيرة على الإخوان، ولماذا جاءت الآن وليس قبل أو أثناء إجراء الانتخابات الداخلية فى الجماعة. وهنا يبدو مهماً الاقتراب من استراتيجية النظام المصرى فى التعاطي الأمني مع الجماعة. فقد جرت العادة خلال العقدين الماضيين، وتحديداً منذ منتصف التسعينات، أن يتم اصطياد مجموعة من الرؤوس والقيادات الكبيرة فى الإخوان والزّج بهم فى السجون من خلال محاكمات عسكرية، وذلك كلما شعر الإخوان بقدر من الثقة فى النفس والاستعداد للعمل الجماهيري. فقد شهدت الجماعة ست محاكمات عسكرية فى أقل من 15 عاماً بمعدل محاكمة كل عامين تقريباً. كانت المحاكمات الثلاث الأولي عام 1995 والمحاكمة الرابعة عام 2000 والخامسة عام 2003 والأخيرة عام 2007 والتي استمرت أكثر من سبعين جلسة كي تصبح أطول محاكمة في التاريخ المصري المعاصر.

وعلي عكس ما يري النظام فإن القمع السياسي وإن كان يمثل عبئاً حركياً علي الإخوان، إلا أنه أيضا يمثل فرصة جيدة لها للتماسك التنظيمي والتركيز علي تعبئة وتجنيد أعضاء جدد تحت حجة أنها جماعة مظلومة. كما أنه يزيد من شعبية الجماعة ويحسّن صورتها شعبياً، ويكفي أن نراقب مدى التعاطف الذي حصلت عليه الجماعة بعد حملة الاعتقالات الأخيرة. وباعتقادي أن النظام لو سمح للإخوان بممارسة العمل السياسي بشكل علني فإن ذلك قد يحدث اختلالات كثيرة داخل الجماعة علي مستوى الأفكار أو علي مستوي الترابط التنظيمي، وذلك بسبب وجود انقسامات حقيقية داخل الجماعة بسبب عدم القدرة على الفصل بين النشاطين الدعوي والسياسي، ناهيك عن المشاكل التنظيمية الداخلية. ويكفي هنا أن نراقب ظهور أسماء لم تكن معروفة من قبل للكثيرين مثل حامد الدفراوي وخالد داوود وهيثم أبو خليل، يحملون جميعاً رأياً مغايراً عن بقية قيادات الجماعة.

وكما هي الحال في الجماعات والتنظيمات المغلقة، فإن جماعة الإخوان تزداد تماسكاً إذا ما تعرضت لتهديد خارجي مثل قمع النظام، بينما تحدث شروخ وانقسامات إذا ما حدث نوع من الانفتاح السياسي والمنافسة علي أساس الأفكار والبرامج وليس تقديم الخدمات. فعلى سبيل المثال عندما طرحت الجماعة برنامجها الحزبي في أغسطس 2007 تعرضت لرد فعل قوى وانتقادات حادة، ليس من النظام ولكن من المجتمع والنخبة السياسية والمثقفين وجماعات حقوق الإنسان. وأعتقد أنه لو كانت هناك حرية لتشكيل الأحزاب في مصر لكانت هناك احتمالات بأن يقوم محمد حبيب النائب السابق للمرشد، الذي استقال من مناصبه القيادية بالجماعة قبل شهرين، أو القيادي الإصلاحي عبد المنعم أبو الفتوح بتشكيل حزب سياسي بعيداً عن الإخوان، وذلك كما فعل رجب طيب أردوغان عندما انشق عن حزب الرفاه الذي كان يقوده نجم الدين أربكان.

كما أن هناك فجوة جيلية واضحة داخل الجماعة بين الأجيال الشابة والجيل القديم العجوز المهيمن علي التنظيم. وهناك حالة صدمة لدي شباب الجماعة بسبب استبعاد الإصلاحيين وهيمنة المحافظين علي الجماعة. ويحاول بعض شباب الإخوان الإصلاحيين الانسحاب من الجماعة بأي ثمن ولكن المعضلة التي يواجهونها هي: وأين نذهب؟ فلا توجد أحزاب سياسية قوية يمكنها أن تجتذب لها هذا الشباب الراغب في التغيير.وإذا كان النظام لا يقبل بوجود الإخوان كفصيل سياسي، فلماذا لا يسمح لهم بتأسيس جمعية أهلية يمكنها أن تمارس عملاً اجتماعياً خيرياً دون العمل بالسياسة؟ وهنا ستقع الجماعة تحت طائلة القانون.

وتبقي ثلاث ملاحظات سريعة، أولها أن النظام المصرى ليس لديه فرق بين محافظين أو معتدلين (إصلاحيين) داخل جماعة الإخوان، فالكل لديه سواء ما يقطع الشك باليقين حول إمكانية دمج الجماعة سياسياً. ثانيها، أن سياسة النظام المصرى تجاه الإخوان سوف تكرّس الإطار السرى والطابع المنغلق للجماعة، خاصة فى مستوياتها القاعدية، ما قد يؤدى إلى نتائج كارثية فيما يخص مسألة القبول بالنظام القائم. وحينئذ قد تتحول اتهامات النظام للإخوان بعسكرة التنظيم والنزوع نحو العنف إلى واقع على طريقة (جعلوني مجرماً). وثالثها، أن فئات كثيرة من النخبة المصرية لا تمانع أن يتم قمع الإخوان وإقصاءهم من المشهد السياسي تحت مزاعم الخوف من تأسيس دولة "خومينية" فى مصر، وطمعاً فى تقسيم "الغنائم" مع النظام.

باعتقادي أن مشكلة النظام ليست مع الإخوان كفصيل سياسي، وإنما مع أي حركة اجتماعية أو شخصية سياسية لديها وزن شعبي ويمكنها أن تمثل تهديداً لبقاء النظام ومصالح الدائرين في فلكه. وأكثر ما أخشاه أن يؤدى الضغط المتواصل على الإخوان أن يحدث الانفجار الداخلي وأن تتحول الجماعة للعمل السرى باعتباره السبيل الوحيد للبقاء، وحيئنذ سيكون الترحم علي وسطية واعتدال الإخوان أمراً واجباً.

السبت، ٣٠ يناير، ٢٠١٠

هل انتهت صلاحية المشروع الإخواني؟

BERJAYAخليل العناني
جريدة الحياة

بعد مخاض عسير استمر لشهور اختارت جماعة «الإخوان المسلمين» في مصر مرشداً عاماً جديداً لها هو الدكتور محمد بديع (67 سنة)، وذلك بعد أن أصرّ مرشدها السابع محمد مهدي عاكف (82 سنة) على الانسحاب بعد نهاية فترته الأولى وعدم البقاء لفترة جديدة تمتد لست سنوات على رغم أن اللائحة الداخلية للجماعة تخوّله ذلك. وبعيداً عن تفاصيل الأزمة التي رافقت اختيار المرشد الثامن لـ «الإخوان»، والتي وصلت إلى مستويات غير مسبوقة فى تاريخ الجماعة «العجوز»، فإن ثمة تحديات فرضتها هذه الأزمة، ومن شأنها أن تطرح تساؤلات جدّية حول مستقبل الجماعة داخلياً وخارجياً، ناهيك عن قدرة مرشدها الجديد على إدارتها بشكل يضمن عدم تكرار مثل هذه الأزمة مستقبلاً.

وابتداء، يخطئ من يظن أن الجماعة سوف تنكفئ على نفسها غير عابئة بالشأن العام أو الانخراط في العمل السياسي، وذلك بسبب هيمنة ما يُطلق عليه التيار المحافظ على المستويات القيادية العليا في الجماعة. وهي فرضية هشّة لا تدعمها الوقائع، ذلك أن إحدى روافع النشاط الإخواني هي الاستثمار في الشأن العام من أجل زيادة رأسمالها الرمزي والبشري، ناهيك عن كونه أحد مقومات الشرعية المجتمعية للجماعة ومصدر قوتها في مواجهة النظام المصري. ومن شأن الانكفاء تقويض الفكرة الإخوانية من جذورها.

أما ما يخص سؤال المستقبل فيمكن استقراؤه من خلال بُعدين أساسيين، أولهما يرتبط بشخصية المرشد العام الجديد من الناحيتين التنظيمية والسياسية. وثانيهما يرتبط بمستقبل المشروع السياسي والفكري للجماعة. بالنسبة الى الأول، فإن ثمة فوارق واضحة بين المرشد الجديد وسلفه مهدي عاكف وهو ما لا تخطئه العين. ومع أن كليهما جاء من قلب الماكينة التنظيمية لـ «لإخوان»، إلا أن عاكف كان يعوّض ذلك بجرأة خطابية ومبادأة سياسية لم تُعرف عن سابقيه. وهو الذي أعلن بعد اعتلائه منصبه عن مبادرة للإصلاح (آذار / مارس 2004)، شكّلت نقلة نوعية في الخطاب السياسي والفكري لـ «الإخوان»، فى حين لم يطرح المرشد الجديد في خطاب تنصيبه أية أفكار جديدة وإنما أكد على ما هو معروف سلفاً من أن الإخوان «جماعة تنبذ العنف» وأنها سوف تسير على خطى الإصلاح التدريجي، وأنه لا سبيل لحدوث مواجهة مع النظام المصري... إلخ. صحيح أن الرجل التزم لغة هي أقرب الى التهدئة، بيد أنها لا تشي بأن ثمة رؤية سياسية متماسكة تقف خلفها.

وإذا كان من الصعوبة إصدار حُكم مسبق على إمكانات المرشد الجديد وقدراته السياسية، إلا أن ثمة ملاحظات سريعة يمكن الإشارة إليها قد تعطي صورة أولية حول مستقبل الجماعة تحت قيادته. أولاً أن ثمة شعوراً بافتقاد الشرعية سوف يُلازم المرشد الجديد طيلة فترة ولايته وذلك بسبب الطريقة التي جاء بها، وهو إن حاول تجاوز ذلك شكلياً إلا أن هذا الشعور سوف يظل قابعاً في خلفية أية قرارات سوف يصدرها خلال المرحلة المقبلة. ثانياً، سيكون من العسير على المرشد الجديد أن يقوم بعمل توازنات داخل الجماعة بين المحافظين والرموز الإصلاحية التي لم يعد لها أي تأثير فعلي داخل الهياكل المؤثرة في الجماعة مثل مكتب الإرشاد العام. ثالثاً، لن تكون لدى المرشد الجديد القدرة على التخلص من هيمنة أركان التيار المحافظ على الجماعة تنظيماً وفكراً، ليس فقط كونهم وراء اختياره، وإنما أيضاً بسبب افتقاده الكاريزما التي قد تمكنه من تحقيق توازن تنظيمي قد يحد من نفوذهم. رابعاً، أن المرشد الجديد لا يتمتع، على الأقل حتى الآن، بعلاقات واضحة مع القوى والأحزاب السياسية الأخرى التي قد تمكنه من عقد تحالفات أو صفقات سياسية معها وذلك على غرار ما كان يفعل مهدي عاكف. وأخيراً، من غير المتوقع أن يدخل المرشد الجديد في أية مواجهة مع النظام المصري ليس فقط بسبب الخوف من بطش هذا الأخير، وإنما بسبب ضعف قدرة المرشد على ضبط القواعد الإخوانية.

أما فيما يخص مستقبل المشروع السياسي لـ «الإخوان»، فقد كشفت الأزمات المتلاحقة التي مرت بها الحركة داخل مصر وخارجها، أن ثمة صعوبات هيكلية يعانيها المشروع الإخواني برّمته. وسؤال اللحظة الراهنة لا يتعلق فقط بطبيعة الخلافات والانشقاقات التنظيمية التي مر بها «الإخوان» في أكثر من بلد عربي كالأردن والجزائر وأخيراً مصر، والتداعيات السلبية لذلك على صورتهم لدى الشارع العربي، وإنما أيضاً بافتقاد الحركة لقيادات كاريزمية وعقول سياسية يمكنها إلهام قواعدها أولاً، والجماهير العربية ثانياً.

وبوجه عام يمكن رصد عدة مؤشرات ربما تكشف عمق المأزق الذي يعيشه المشروع الإخواني حالياً، أولها تراجع خطابهم الديني والسياسي، وعدم قدرة القيادات الجديدة في الحركة على تحقيق نقلة نوعية فى مفردات هذا الخطاب كي تصبح أكثر ملاءمة للواقع الراهن. ويعاني «الإخوان» من أزمة معرفية هائلة بسبب افتقاد قياداتهم الراهنة إلى الجرأة على تغيير محتوى المناهج التربوية التي تغذّي العقل الإخواني. وتبدو الجماعة في حاجة ماسة الى جيل جديد من المفكرين والمنظرّين أصحاب الرؤى والأفكار الكبرى يضاهي الجيل الأول من أمثال راشد الغنوشي وحسن الترابي وعبدالله النفيسي وفريد عبدالخالق، وهو ما يصعب توقع حدوثه في المدى المنظور.

المؤشر الثاني هو افتقاد المشروع الإخواني جاذبيته المجتمعية، وهو ما يبدو جلياً في انصراف قطاعات واسعة من الشارع العربي باتجاه مشاريع دينية منافسة للمشروع الإخواني.

المؤشر الثالث، انطفاء وهج المدرسة الإصلاحية داخل «الإخوان»، ليس فقط بسبب هيمنة المحافظين والمتشددين على مؤسسات الجماعة في أكثر من بلد عربي، وإنما أيضاً بسبب الطبيعة السلبية لتحركات كثير من الإصلاحيين داخل «الإخوان»، وتحرّجهم من الضغط على المحافظين بذريعة حماية الحركة من الانقسام الداخلي، وافتقاد الكتلة الإصلاحية للتأثير داخل تنظيماتهاً.

المؤشر الرابع هو فشل الحركات الإخوانية فى تكييف علاقاتها بالأنظمة العربية، سواء بسبب إصرار هذه الأخيرة على قمعها وإقصائها واستدراجها إلى معارك غير مجدية، أو بسبب افتقاد الحركات الإخوانية لقيادات سياسية ذات مهارات تفاوضية.

وأخيراً، هناك اتساع الفجوة الجيلية داخل الحركة الإخوانية، وانعدام القدرة على دمج الأجيال الجديدة ضمن الأطر الهيكلية للحركة، وهو ما نجم عنه استنزاف الحركة في مشاكل داخلية أثرت سلباً على صورتها أمام الرأي العام.

* أكاديمي مصري - جامعة دورهام - بريطانيا.

k.m.ibrahim@durham.ac.uk

الثلاثاء، ٢٠ أكتوبر، ٢٠٠٩

دلالات الصراع داخل جماعة «الإخوان المسلمين»

BERJAYA خليل العناني

أحد العيوب الهيكلية فى جماعة «الإخوان المسلمين» هو حساسيتها المفرطة في التعاطي مع مسائل الخلاف الداخلي. وقد أثبتت أكثر من تجربة أن الجماعة، وعلى رغم قدرتها الجيدة على ضبط وإدارة الاختلافات والتوجهات الفكرية والسياسية بين أجنحتها المتصارعة، إلا أنها لا تحتمل إمكان وجود خلافات تنظيمية بين قياداتها، وغالباً ما يكون مصير المخالفين إما الانشقاق أو الاعتزال.
ويحفل تاريخ جماعة «الإخوان المسلمين» بحالات صريحة من الخلافات والصراعات التي أثرت سلباً على صورة الجماعة وقدراتها في مواجهة خصومها السياسيين. وقد برزت حديثاً بوضوح ظاهرة الانشقاقات داخل فروع الجماعة، وهو ما يطرح تساؤلات كثيرة حول كفاءة الأداء التنظيمي والسياسي لجماعة «الإخوان المسلمين» وقدرتها على مواكبة ا
لتحولات التي تختمر داخل بنيتها القاعدية.
ولدينا الآن ثلاث حالات تكشف عن عمق الخلل فى التركيبة البنيوية والسياسية للجماعة. أولها في الجزائر حيث لم تتحمل حركة «مجتمع السلم» المعروفة بحركة «حمس» وجود اختلاف فى الرؤى والتوجهات والسياسات بين رئيسها أبو جرة سلطاني ونائبه السابق عبد المجيد مناصرة. وقد كانت العلاقة بين الطرفين قد وصلت إلى ذروة التوتر خلال المؤتمر الرابع للحركة الذي عقد في نيسان (ابريل) 2008 الذي منح سلطاني الاستمرار في قيادة الحركة لفترة جديدة. ولو إن الخلاف بين سلطاني ومناصرة كان بسيطاً لاستطاعت الحركة أن تلملم أطرافها وأن تعيد ترتيب بيتها الداخلي حفاظاً على صورتها على الأقل، بيد أنه كان عميقاً ولم تقو الحركة على امتصاصه حتى وقعت الأزمة وانشطرت الحركة عمودياً إلى نصفين أحدهما يتبع سلطاني، والآخر يوالي مناصرة تحت مسمى جديد هو «حركة الدعوة والتغيير» التي أُعلن عن قيامها أوائل العام الحالي.
أما الحالة الثانية فقد كانت بين «إخوان» الأردن، حيث شهدت الأشهر القليلة الماضية ما يشبه الانشقاق العلني لما يعرفون بالتيار الإصلاحي (تيار الحمائم) وذلك عطفاً على تعقيدات العلاقة بين جماعة «الإخوان المسلمين» الأردنية وحركة «حماس» من الناحيتين التنظيمية والسياسية. وهي أزمة لم تبدأ حديثاً، وإنما تمتد جذورها إلى أواخر التسعينات حين قويت شوكة (الحمائم) داخل مؤسسات الجماعة وحزب «جبهة العمل الإسلامي» الذي يمثلها، وما نجم عن ذلك من توتر علاقتهم مع الجناح المحافظ أو (الصقور) الذي حاول استعادة زمام الحركة وتوجيهها حسب رؤاه حتى تحقق له ما أراد. ومذاك، لم تنجح الجماعة في إنهاء حالة الانقسام بين جناحيها، والتي تعمقّت بمرور الوقت حتى وصلت في النهاية إلى طريق مسدود، ولا يبدو أن الجماعة ستخرج منها بسلام.
أما الحالة الثالثة، والأهم، فهي التي تحدث الآن داخل الجماعة «الأم» في مصر. فقد وصلت الأوضاع داخلها إلى مرحلة حرجة من التوتر «المكتوم» ستكون لها تداعياتها المستقبلية على كيان الحركة. ولعلها مفارقة أن الأزمة الراهنة لا تدور بين جناحين أحدهما إصلاحي والآخر محافظ وإنما داخل هذا الأخير. ذلك أنه من الصعوبة بمكان افتراض وجود تيار إصلاحي قوي داخل الجماعة. فقبل أسابيع قليلة توفي أحد أكبر أعضاء مكتب الإرشاد وهو محمد هلال (90 سنة) وكان من المفترض، كما هو متبّع عرفاً، أن يتم تصعيد القيادي البارز في الجماعة عصام العريان كي يحل محله، وذلك باعتباره الأحق وفقاً لنظام اللائحة الداخلية للجماعة. بيد أن التيار المحافظ رفض ذلك متعللاً بعدم قانونية هذا الإجراء من جهة، وبعدم الحاجة الآنية له من ناحية أخرى، خاصة أن ثمة انتخابات جديدة لمكتب الإرشاد من المفترض أن تجري خلال الأشهر الثلاثة المقبلة. ولم تكن المشكلة في تصعيد العريان او عدمه، فهذه ليست المرة الأولى التي يثيرها الوضع التنظيمي لهذا القيادي البارز، وإنما بالأساس في قدرة الجماعة على ضبط خلافاتها الداخلية من جهة، وفي قراءتها لأوضاعها السياسية ضمن تركيبة المشهد السياسي المصري من جهة أخرى. فالجماعة وإن نجحت خلال العقدين الماضيين في إبداء صرامة واضحة في التعاطي مع مخالفيها داخلياً (تعزيراً أو تهميشاً)، إلا أنها لم تفلح مطلقاً في الاستفادة من التنوع الفكري والإيديولوجي للمخالفين لها، مما أفقدها رصيداً سياسياً هي في أشدّ الحاجة إليه لمواجهة خصومها. وتبدو الأزمة هذه المرة أكبر من أن يتم تسكينها بالطريقة المعتادة. فقد تجاوز الخلاف مستواه القاعدي كي يصل إلى قمة الهرم القيادي في الجماعة، حيث بدا واضحاً أن المرشد العام للجماعة لا يسير وفق هوى الجناح المحافظ إزاء مسألة ترقية العريان تنظيمياً، وهو يدافع عن ضرورة منح العريان فرصة داخل مكتب الإرشاد ولو لفترة موقتة. وبغض النظر عما تردد حول رغبة المرشد مهدي عاكف الاستقالة من منصبه بسبب هذه الأزمة، فإن ثمة دلالة لا تخطئها العين حول مدى قدرة المرشد الحالي على كبح جماح الجناح المحافظ داخل الجماعة. فقد حاول عاكف طيلة فترة ولايته الممتدة منذ كانون الثاني (يناير) 2004 أن يقوم بضبط إيقاع العلاقة بين التيارات والتوجهات المختلفة داخل الجماعة، بيد أن ذلك كان يأتي دائماً على حساب الجناح الإصلاحي أو البراغماتيين، سواء بسبب ضعف وزنهم ونفوذهم التنظيمي مقارنة بالمحافظين، أو بسبب تخوّف المرشد من استغلال النظام للمشاكل الداخلية في الجماعة سياسياً وأمنياً.
وبوجه عام، تكشف ديناميات إدارة الاختلافات الداخلية في جماعة «الإخوان المسلمين» بمختلف فروعها عن ملامح أساسية تميزها عن غيرها من نظيراتها الإسلامية والسياسية. أولها انخفاض مرونة الجماعة في التعاطي مع مخالفيها. وتبدو اللعبة بين أجنحة الحركة «صفرية» النتائج. لذا فكثيراً ما يصرّ المحافظون (الحرس القديم) على معاقبة الإصلاحيين وتعنيفهم تنظيمياً وسياسياً ومعنوياً، وذلك تحت ذريعة الحفاظ على كيان الجماعة متماسكاً. وهم يهدفون من وراء ذلك الى تحقيق أمرين، أولهما لضمان عدم خروج الأوضاع عن سيطرتهم مع زيادة المساحة التأثيرية للإصلاحيين داخل التنظيم. وثانيهما، وقف «عدوى» انتشار الأفكار الإصلاحية بين الأجيال الشابة وتحصينها ضد محاولات الإصلاحيين استقطابها داخلياً.
ثانيها، أن الصراع بين المحافظين والإصلاحيين داخل «الإخوان» لا يختلف مطلقاً في شراسته عن أي صراع سياسي «بشري» تختلط فيه المصالح بالرغبات الفردية. ولا تخفف من ذلك محاولات بعض المحافظين إضفاء طابع طهوري «قدسي» على خلافاتهم، بحيث تبدو توجهات الإصلاحيين وكأنها خروج عن «ثوابت الدين»، واستهداف لـ «وحدة الأمة». فعلى سبيل المثال شهدت جماعة «الإخوان المسلمين» في مصر صراعاً حقيقياً حول عضوية مكتب الإرشاد إبان التسعينات بين من كانوا يوصفون آنذاك بالشباب مثل عصام العريان وعبد المنعم أبو الفتوح، وشيوخ الجماعة. ناهيك عما يُشاع باستمرار عن الصراع المتكرر حول منصب نائب المرشد. في حين يحاول محافظو الجماعة القيام بما يشبه وظيفة «حراس المعبد» من أجل سد المنافذ أمام تصعيد قيادات إصلاحية إلى قمة الهرم التنظيمي للجماعة كما هو الحال مع عصام العريان وجمال حشمت وإبراهيم الزعفراني فى مصر ورحيل غرايبة في الأردن. لذا لم يحدث أن تولى الإصلاحيون داخل «الإخوان» أية مناصب تنفيذية عليا يمكنها إعادة توجيه ورسم السياسات الكلية للحركة، وذلك بسبب هيمنة المحافظين على «الماكينة» التنظيمية للجماعة على مستوى مجالس شورى المحافظات والمناطق ومجلس الشورى العام.
ثالث الملامح، ضعف دور القيادة في حسم الخلافات الداخلية، فمعظم الأزمات الأخيرة التي شهدتها حركة «الإخوان المسلمين» في مصر والأردن والجزائر تكشف عن عدم قدرة قيادة هذه التنظيمات على ضبط التوازن داخل الحركة، وذلك إما بسبب ميل القيادة ذاتها لمصلحة هذا الطرف أو ذاك كما هو الحال في الأردن، أو بسبب قوة أحد الأجنحة وهيمنته على المفاصل التنظيمية للحركة كما هي الحال في مصر. فعلى سبيل المثال لم يكن أمام المرشد العام للجماعة في مصر سوى اللجوء إلى «عزلة اختيارية» من أجل الضغط على المحافظين لتصعيد العريان لمكتب الإرشاد. وباعتقادي أنه لو تمادى المرشد في عزلته وموقفه الداعم للعريان، لربما تعرّض لنوع من الانقلاب «الأبيض» من قبل الجناح المحافظ داخل الجماعة. أما في الجزائر فقد كان ملفتاً وقوف الجماعة «الأم» في مصر على الحياد من طرفي النزاع (سلطاني ومناصرة) وذلك تحت ذريعة لا مركزية التنظيم الدولي للجماعة والمسؤولية الذاتية لفروع الحركة.
رابعها، أن الجماعة كثيراً ما تلجأ إلى استراتيجية «ترحيل الأزمات» وذلك في ما يخص معالجة خلافاتها الداخلية، وذلك من خلال محاولة تجاهل المطالب المتكررة بالتغيير وتفعيل مبادئ الشفافية والمحاسبة بحجة التفرغ لإدارة المعركة مع الأنظمة العربية. وهو ما يؤدي إلى تأجيل الخلافات الداخلية من دون حلّها، ويؤدي بالتبعية إلى وقوع أزمات وانشقاقات يصعب تلافيها لاحقاً، وذلك على نحو ما حدث أخيراً في الأردن والجزائر.
خامسها، عدم وجود وزن مؤثر للأجيال الشابة داخل معادلة الصراع بين المحافظين والإصلاحيين. ويبدو واضحاً أن الكفة تميل دائماً لمصلحة المحافظين في ما يخص الهيمنة على عقول وقلوب شباب الجماعة. ومرد ذلك أمران أولهما هو هيمنة المحافظين على عملية الترقي والتصعيد داخل السلم التنظيمي ما يضع القواعد تحت رحمتهم. وثانيهما، التنشئة التنظيمية والدينية المغلقة والرقابة الصارمة التي يمارسها هؤلاء مع القواعد والتي تمنع فرص تواصلهم وتأثرهم بأفكار ورؤى الإصلاحيين، وذلك على رغم محاولات بعض هؤلاء الشباب كسر هذه الهيمنة عبر اللجوء الى الوسائط التكنولوجية الحديثة كالانترنت والمدونات من أجل تطوير أفكارهم ورؤاهم السياسية.

الأربعاء، ٧ أكتوبر، ٢٠٠٩

إعادة التفكير في المشروع الاستراتيجي لتنظيم "القاعدة"

BERJAYA خليل العناني

عندما دخل الاتحاد السوفياتي السابق أفغانستان لم يكن يخطط لاحتلال طويل المدى، وإنما كان يسعى لدعم الحكم الشيوعي الذي تأسس تحت رعاية سوفياتية مباشرة أواخر السبعينات. وكان الخطأ الاستراتيجي الذي ارتكبه الزعيم السوفياتي ليونيد بريجينيف ومن جاء بعده، هو الوقوع فى فخ الاستدراج والاستنزاف الذي نصبه لهم المتمردون الأفغان والمجاهدون العرب، ومن خلفهم الغرب. لذا لم يأت عام 1988 إلا وقد تجاوز عدد القوات السوفياتية في أفغانستان حوالي مئة ألف جندي، قُتل منهم 14 ألفاً وجُرح ما يقرب من 35 ألف جندي، وذلك قبل أن يخرج السوفيات من دون أن يحققوا أهدافهم من الغزو.
الآن يمارس تنظيم «القاعدة» نفس اللعبة القديمة مع الأميركيين، وهو انتقل من مرحلة استهداف المصالح الأميركية داخلياً أو خارجياً، إلى مرحلة «الاستنزاف» القصوى للولايات المتحدة مادياً ومعنوياً، على غرار ما حدث مع الاتحاد السوفياتي السابق. وبغض النظر عن الوضع الميداني للتنظيم، والذي يعاني خللاً مادياً ولوجيستياً، فإن جذوته الإيديولوجية وأجندته الجهادية لا تزال فاعلة، كما أن رصيده البشري لم يُستنفد بعد. ويخطئ من يقرأ ضعف الشبكة العنقودية للتنظيم كعلامة على دخوله فى مرحلة «الأفول». فمثل هذه التنظيمات «الأممية» لا تموت أبداً ما دامت تعتاش على جذر، ولو ضعيف، في منظومة الجهاد الإسلامي الكلاسيكي. بخاصة بعد أن نجح التنظيم في ترسيخ نفسه كمحتكر وحيد لـ «صناعة الجهاد» في العالم الإسلامي، وبات أشبه بمظلة «جهادية» عالمية وليس مجرد تنظيم إقليمي. وهو في ذلك بات أقرب الى تنظيمات إسلامية «أممية» لا تزال متمسكة بمشروعها الاستراتيجي من دون تغيير، مثل جماعة «الإخوان المسلمين» ذات الثمانين عاماً، وحزب التحرير الإسلامي ذي الخمسين عاماً.
وبوجه عام يمكن تقسيم التطور الذي مر به المشروع «الاستراتيجي» لتنظيم «القاعدة» وأجندته الجهادية إلى ثلاث مراحل، أولها ما يمكن أن نطلق عليه مرحلة «التثبيت» والتي بدأت منذ عام 1998 وحتى أواخر عام 2000وهي المرحلة التي سعى فيها التنظيم لإثبات وجوده والإعلان عن نفسه بكل قوة من خلال عملياته العنيفة التي نفذها في كينيا وتنزانيا في آب (أغسطس) 1998، أي بعد ستة شهور فقط من الإعلان الرسمي عن قيام التنظيم. وما لبثت أن تلت ذلك عملية تفجير المدمرة الأميركية «يو إس إس كول» في خليج عدن في تشرين الاول (أكتوبر) 2000. بالإضافة إلى العمليتين اللتين تم إحباطهما في مطار لوس أنجليس واستهداف إسرائيليين في الأردن عشية الاحتفال بمطلع الألفية الثالثة. وقد كان الهدف الرئيس للتنظيم آنذاك هو توجيه إنذار قوي الى الولايات المتحدة بأن تعيد حساباتها في التعاطي مع مطالبه وعدم الاستخفاف بقدراته. وقد تركز الميدان العملياتي لـ «القاعدة» خلال تلك المرحلة في منطقة القرن الأفريقي. في حين تناغمت الأطروحات الفكرية للتنظيم مع أهدافه الاستراتيجية في تلك المرحلة. وهو ما يمكن قراءته من خلال مراجعة أدبيات وكتابات قادته، سواء المنخرطين في التنظيم في شكل مباشر، مثل أيمن الظواهري وأبو مصعب السوري (مصطفى الست مريم) أو المتعاطفين معه مثل أبو قتادة الفلسطيني (عمر محمود أبو عمر) وأبو محمد المقدسي (عصام البرقاوي).
أما المرحلة الثانية فقد تم تدشينها مع هجمات 11 سبتمبر 2001، ويمكن أن نطلق عليها مرحلة «الاستفزاز والاستدراج». وقد كان الهدف الاستراتيجي هنا ليس فقط مجرد توجيه ضربة تاريخية موجعة للولايات المتحدة على نحو ما حدث، وإنما أيضاً استفزازها واستدراجها الى حرب طويلة المدى لم تعد لها عدتها. وهو ما حدث لاحقاً حين غامرت الولايات المتحدة بالدخول في حربي أفغانستان والعراق، لا لسبب سوى الانتقام لكرامتها المهدَرة، من دون وجود أهداف واضحة لحربيها. ويروي الحارس الشخصي لبن لادن ناصر البحري المعروف باسم (أبو جندل) في حوار له مع قناة «العربية» أن أحد الأهداف الأساسية لأسامة بن لادن من هجمات 11 سبتمبر كان استدراج الولايات المتحدة أو «الثور الأميركي» على حد وصف أبو جندل للقتال على أكثر من جبهة. ومن يراجع خط سير عمليات «القاعدة» خلال تلك المرحلة سوف يلاحظ أمرين، أولهما اتساع الدائرة الجغرافية والعملياتية للتنظيم من بالي (إندونيسيا) شرقاً، إلى جربة (تونس) والدار البيضاء (المغرب) غرباً، ومن لندن ومدريد شمالاً إلى اليمن والصومال جنوباً وبينهما الرياض وأسطنبول ومومباسا. وثانيهما، اتساع المظلة الإيديولوجية والعقائدية للتنظيم كي تلتحق بها تنظيمات وخلايا فرعية تتماهى فكرياً وعقائدياً مع التنظيم «الأم» من دون روابط تنظيمية واضحة، كما هي الحال في العراق وبلاد الشام والجزيرة العربية واليمن والمغرب العربي.
أما المرحلة الثالثة فهي التي يعيشها التنظيم حالياً، وهي التي يمكن أن نطلق عليه مرحلة «الاستنزاف التاريخي» للولايات المتحدة، والتي انتقل فيها تنظيم «القاعدة» من فقه «القتال» إلى فقه «الاستنزاف»، مختفياً تحت عباءة حركة «طالبان» بفرعيها الأفغاني والباكستاني. ويتمثل الهدف الأساسي في هذه المرحلة في ضمان إبقاء القوات الأميركية فى مناطق الصراع لأطول فترة ممكنة باعتبارها ماكينة استنزاف مادي وعسكري لـ «الثور» الأميركي. لذا فقد كان قرار الانسحاب الأميركي من العراق بمثابة خسارة استراتيجية لتنظيم «القاعدة» ليس فقط كونه يسحب إحدى ذرائع التنظيم في مواصلة القتال هناك، وإنما أيضاً كونه يقلل من الدعم الداخلي والخارجي ويعرّي التنظيم سياسياً وعسكرياً. في حين كان قرار إدارة أوباما بزيادة القوات الأميركية في أفغانستان الربيع الماضي كي تصل إلى نحو 63 ألف جندي، بمثابة هدية لزعماء التنظيم وتدشين للمرحلة الثالثة من مشروعهم الاستراتيجي، وتزايد فرص دخول الولايات المتحدة في طور الاستنزاف التاريخي. وهو ما تؤكده الخطب الصوتية الأخيرة التي بثّها قادة التنظيم. ففي رسالته الأخيرة بمناسبة الذكرى الثامنة لأحداث 11 سبتمبر، أشار أسامة بن لادن إلى أن الولايات المتحدة سوف تشهد حرب استنزاف طويلة المدى، وهو نفس المعنى الذي أكده الظواهري في أكثر من شريط صوتي.
وفي الوقت الذي يطور فيه تنظيم «القاعدة» أهدافه واستراتيجياته، خاصة فيما يتعلق بالحرب النفسية والإعلامية، تبدو الولايات المتحدة غارقة حتى أذنيها في كيفية مجاراة التنظيم ومواصلة الحرب معه، من دون البحث في إمكانية وقفها وتغيير استراتيجيتها في شكل جذري.
وبعكس ما قد يبدو، فإن وصول باراك أوباما الى البيت الأبيض كان بمثابة عنصر استنفار واستفزاز للتنظيم من جهتين، أولاهما أن ذلك يكاد يفقد التنظيم إحدى أوراقه الرابحة في استمرار جذوة الصراع متقدة مع الغرب، فقد كانت «حماقة» المحافظين الجدد ورعونتهم بمثابة وقود حي لتنظيم «القاعدة» ورافعة مهمة لتبرير عملياته في كل مكان. وثانيتهما، ازدياد الرغبة لدى قيادة التنظيم في إمكانية إلحاق الهزيمة بالولايات المتحدة باعتبار أن أوباما لن يقوى على مجاراة «القاعدة» سواء لحداثة خبرته السياسية، أو لرغبته في تغيير الصورة السلبية للولايات المتحدة في العالم الإسلامي من خلال الانسحاب من مناطق الصراع في هذا العالم، وهو ما يعطي «القاعدة» فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب صفوفها.
وفي شكل سريع يمكن استعراض أهم النتائج والمكاسب التي حققتها استراتيجية «الاستنزاف» في مواجهة الولايات المتحدة حتى الآن. ولعل أولها ما يتعلق بالاستنزاف المادي والاقتصادي، فقد بلغت تكلفة الحرب على العراق وأفغانستان حوالى تريليون دولار مقسمة بينهما إلى 684 و 223 بليون دولار على التوالي، بالإضافة إلى حوالى 33 بليون دولار لبقية مجالات الحرب على الإرهاب. ومن المحتمل أن تزيد تكلفة الحرب هذا العام بنحو 338 بليون دولار إذا تمت زيادة عدد القوات فى أفغانستان بحوالي 30 ألف جندي، وإلى نحو 867 بليوناً إذا زاد عدد القوات بحوالي 75 ألف جندي بحلول عام 2013، ومن المتوقع أن تصل التكلفة الإجمالية للحرب على الإرهاب إلى نحو 2 تريليون دولار بحلول عام 2019 بحسب إحصاءات لجنة القوات المسلحة فى الكونغرس الأميركي. وسيزداد الأمر سوءاً إذا أُضيفت إليه فاتورة الأزمة المالية الحالية التي يواجهها الاقتصاد الأميركي.
اما النتيجة الثانية للحرب فهي الاستنزاف العسكري والاستراتيجي للولايات المتحدة، فقد وصل عدد القوات الأميركية في أفغانستان إلى 63 ألف جندي من المتوقع رفعها إلى نحو مئة ألف بحلول العام المقبل (لنتذكر هنا الحالة السوفياتية)، وذلك إذا حُسم الصراع داخل أروقة الإدارة الأميركية في شأن زيادة عدد القوات بحسب التوصية التي قدمها أخيراً قائد القوات الأميركية في أفغانستان الجنرال ستانلي ماكريستال. ناهيك عن ارتفاع الخسائر في صفوف القوات الأميركية وقوات حلف الاطلسي في شكل غير مسبوق.
ومن جهة أخرى فإن من شأن تدهور الأوضاع في العراق وأفغانستان أن يؤدي إلى تآكل المزايا الاستراتيجية التي احتفظت بها الولايات المتحدة لفترة طويلة في منطقتي الخليج وجنوب شرقي آسيا وآسيا الوسطى. وقد تضطر الولايات المتحدة للدخول في مساومات وصفقات مع خصوم لها مثل إيران وروسيا والصين من أجل الحفاظ على مصالحها في تلك المناطق. وهنا يمكن الإشارة إلى ملاحظة ذات دلالات عميقة وهي أنه من بين 42 دولة تعمل تحت مظلة حلف الاطلسي في أفغانستان، فيما يعرف بـ «القوات الدولية للدعم والإسناد – إيساف» لا توجد بينها أي من دول الجوار الأفغاني (روسيا، الصين، إيران، باكستان، الهند) وهو ما يمثل عبئاً إضافياً على واشنطن في حل المعضلة الأفغانية.
النتيجة الثالثة هي الاستنزاف المعنوي، وهو ما يرتبط بتآكل الصورة النمطية للولايات المتحدة كقطب دوي مهيمن. وقد اصبح ذلك واضحاً بجلاء خلال الشهور التسعة الماضية، وترجمه الرئيس باراك أوباما صراحة في خطابه الذي ألقاه أخيراً أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة والذي أنهى فيه رسمياً مرحلة «القطبية الأحادية» ودشّن مرحلة جديدة في النظام الدولي لا تزال ملامحه في طور التشكل.
وبذلك يكون تنظيم «القاعدة» قد نجح في تحقيق أحد أهدافه التاريخية في مواجهة «العدو البعيد»، ما يفرض حتمية إعادة التفكير في مستقبل التنظيم وكيفية التعاطي مع مشروعه الاستراتيجي.

الأحد، ٢٧ سبتمبر، ٢٠٠٩

مجتمعات عربية تنذر بالانفجار

BERJAYA خليل العناني
يخطئ من يظن أن ملف التغيير والإصلاح فى العالم العربي قد طُوي برحيل المحافظين الجدد وزعيمهم جورج دبليو بوش. ذلك أن التغيير البنيوي لا يأتي عبر دعوات وضغوط موسمية تنتهي بتحقيق وظيفتها أو رحيل مروّجيها، بقدر ما يكون رد فعل على أوضاع قد تحجّرت وحان وقت انفجارها.
صحيح أن الدولة العربية تخشى تغييراً قد يطيح من في السلطة أو يقلّص نفوذهم، بيد أن إبقاء الأوضاع على جمودها وعفنها قد يأتي بتغيير يطيح بالمجتمع وأهله جميعاً، وذلك على نحو ما هو قائم الآن في أكثر من بلد عربي. وتظل الحركات الاجتماعية والدينية العنيفة إحدى مؤشرات الانفجار الذاتي للمجتمعات العربية، ومرآة عاكسة لفشل الدولة في تحقيق وظيفتها الاحتوائية والإدماجية لفئاتها وحركاتها المختلفة.
وما كان لتنظيمات مثل «القاعدة» بمختلف طبعاتها، وغيرها من الجماعات العنيفة أن تنشأ وتتوالد باطّراد لولا القصور الواضح للدولة العربية في القيام بوظائفها الأساسية. صحيح أن هذه التنظيمات تنطلق من خلفية عقائدية متطرفة، بيد أنها ترتع في بيئة خصبة من الفشل السياسي والعوز الاقتصادي والقهر الاجتماعي تجعلها قادرة على تجديد نفسها باستمرار.
في ظل خلفية كهذه يمكن قراءة سلسلة الأزمات الراهنة التي تكاد تطيح بسلطة الدولة في العالم العربي، وتدفع بالحركات الانفصالية إلى صدارة المشهد السياسي العربي. فمشكلة الحُوثيين في اليمن لا يمكن ردّها ابتداء إلى نزعة إيديولوجية أو رؤية عقائدية متطرفة، أو حتى إلى نزعة سياسية انفصالية، إنما هي بالأساس تعبر عن أزمة بنيوية اجتماعية ناجمة بوضوح عن فشل الدولة اليمنية في مرحلة ما بعد الاستقلال في تحقيق الحد الأدنى من الاكتفاء الوظيفي والإشباع النفسي لإحدى مكوناتها الاجتماعية. وهي نسخة مكررة عن مشكلة الجنوب التي زادت حدتها خلال الأشهر القليلة الماضية، والتي تعكس الفشل الذريع للنظام اليمني في استثمار الوحدة التي تحققت قبل عقدين بين الشمال والجنوب، ولم ينجح في تحويلها من وحدة جغرافية وإدارية إلى وحدة سياسية واجتماعية كان لها أن تصبح نواة صلبة لدولة قوية. ولا يستوي الحديث هنا عن أدوار خارجية وألاعيب إقليمية، فالأزمة اليمنية موطنها هو الداخل وعلاجها لن يأتي إلا من خلال إعادة النظر في مشروع الدولة ذاته وقدرة نظامها على إعادة تعريف وظيفته ودوره ضماناً لبقاء شرعيته. ولا يمكن لدولة يعيش أكثر من ثلثي سكانها تحت خط الفقر، في حين وصلت نسبة الأمية فيها إلى نحو 40 في المئة، يضاف إليه ضعف السلطة المركزية وجهازها الإداري، أن تظل في مأمن من التوترات الاجتماعية والرغبات المتزايدة لمنازعة سلطان الدولة.
معضلة اليمن أنه بات دولة بلا أنياب، بعد أن تقلصت قدرات الدولة الفعلية تحت وطأة الاستنزاف والإنهاك المتواصل لإمكاناتها بفعل المواجهات بين الشمال والجنوب. وبذلك اصبح المجتمع اليمني مرتعاً خصباً لجميع التيارات والجماعات التي تبحث عن موطئ قدم وتسعى لتنفيذ مشاريع سياسية ودينية تتجاوز حدود الدولة الوطنية. وسيكون وبالاً على اليمن، ومن يجاوره، إذا توحدت القوى الثلاث المناوئة للدولة (الحوثيون والجنوبيون وتنظيم «القاعدة») وسعت إلى إسقاط نظامه السياسي.
وما ينطبق على اليمن هو حادث بالفعل في بلدان أخرى مثل السودان الذي تتنازعه دعوات الانفصال من الجنوب والشرق، وربما الغرب لاحقاً. ويكاد الوضع في اليمن يكون استنساخاً لما جرى في السودان طيلة العقدين الماضيين، سواء لجهة انعدام قدرة الدولة على بسط سلطانها على كافة أراضيها، أو لفشلها في تسويق مشروعها الوطني كبديل عن الولاءات المحلية ووقف نزعاتها الانفصالية. وفي فلسطين تبددت آمال قيام دولة فلسطينية، ولو مبتورة الصلاحيات، ليس فقط بفعل الانقسام السياسي وإنما بفعل تفشي التطرف الاجتماعي والديني ومزايدة الجميع على القضية الوطنية ورغبته في الاحتكار الأحادي لتمثيلها.
وفي حالات أخرى يبدو الخطر ذاته ماثلاً ولو من بعيد، كما هي الحال في مصر وتونس والجزائر والمغرب. فالمجتمع المصري يتوافر لديه كثير من مقومات التمرد والانفجار، وإن كانت السلطة المركزية وجهازها البيروقراطي لا يزالان يتمتعان بقدر من الردع والاحتواء. فلم يكن لأحد قبل أعوام قليلة أن يسمع عن بؤر التوتر الاجتماعي والديني التي تزايدت حديثاً في شكل مخيف. ولم يكن لأحد أن ينازع الدولة المصرية سلطانها وهيبتها على غرار ما هو حاصل الآن. قطعاً لن تتحول مصر إلى دولة فاشلة بالمعايير الصارمة مثل انهيار سلطة الدولة أو تحلل نظامها السياسي، بيد أن ذلك لا يحول دون تآكل هيبة الدولة وانخفاض رأسمالها المعنوي وذلك بفعل ضعف أدائها الاقتصادي، وتشوّه الوضع الاجتماعي، فضلاً عن الفشل في إنجاز وظيفتها الاستيعابية للكثير من فئاتها وجماعاتها. وقد يكون ملف نقل السلطة بمثابة القشة التي قد تقصم «ظهر» التماسك الاجتماعي الهشّ، خاصة إذا ما تحقق سيناريو التوريث الذي يُجرى الإعداد له على قدم وساق من دون اكتراث لمخاطره.
مكمن الخطر في العالم العربي الآن ليس في انهيار إحدى دوله من عدمه، وإنما في قدرة بنيته الاجتماعية على الصمود في وجه الاستحقاقات المؤجلّة منذ أكثر من نصف قرن. فلم يعد شيء صعب الحدوث في منطقتنا، فمن كان يتخيل أن يهتز نظام الثورة الإسلامية في إيران؟ ومن كان يظن أن يقف اليمن على حافة الانهيار دولة ومجتمعاً؟ ومن كان يعتقد أن تصل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في بلدان قديمة مثل مصر إلى ما هي عليه الآن من التوتر والاحتقان الذي لا تخفت نيرانه؟
عوامل ثلاثة تظل هي المحرّك الأساسي للتوتر وربما تقف وراء الانفجار المقبل في العالم العربي، أولها تآكل صلاحية المشاريع الوطنية للدولة العربية، وذلك إما بفعل الفشل السياسي والفساد الاقتصادي والظلم الاجتماعي، أو لانعدام القدرة على تحقيق التماسك الداخلي واحتواء الأقليات الدينية والمذهبية، وهو ما يتوازى مع ارتفاع سقف المطالب والطموحات الفئوية خاصة لدى الشرائح العمرية الشابّة.
ثانيها، زيادة النزعة الإقصائية والاستئصالية للدولة العربية والتي تعبر عن نفسها يومياً في السلوك القمعي والبوليسي لأجهزتها ومؤسساتها، ما يوّلد احتقاناً مجتمعياً وطائفياً يعزز نزعات التمرد ويدفع ببدائل الانفصال إلى الواجهة. ويكفي أن نراقب الآن ما يحدث بين بعض الحكومات العربية والحركات الإسلامية المعتدلة، فقد وصلت العلاقة بين الطرفين إلى حالة من التربص والشك، ربما تدفع بكثير من قواعد هذه الحركات إلى إعادة النظر في جدوى العمل السلمي، وربما يسقط بعضها في شباك التنظيمات الراديكالية العنيفة ويسعى لإقامة «إمارته» الإسلامية على نحو ما حصل حديثاً في غزة. وثالثها، وجود أدوار وقوى خارجية تسعى لاستثمار ما سبق من أجل تعزيز حضورها في الساحة العربية، وهذه لا تعمل من دون توفرّ ما سبق.
هذه العوامل تنسج معاً مستويات أربعة لطبيعة الدولة الراهنة في العالم العربي، ويمكن أن تصنَّف دوله وفقاً لها. المستوى الأول يضم دولاً تتمتع بالكفاءة الاقتصادية وبقدر من الشرعية الاجتماعية، ولكنها لا تتحمل وجود معارضة سياسية حقيقية، ما يفتح الباب أمام ترعرع المعارضة الدينية خاصة العنيفة منها، وذلك كما هي الحال في عدد من دول الخليج. والمستوى الثاني لدولٍ تعتاش على إرثها التاريخي من دون القدرة على تجديد شرعيتها السياسية بسبب ضعفها الاقتصادي وتوترها الاجتماعي، مثل مصر والجزائر والمغرب، وترزح مجتمعاتها الآن في بيئة مثالية للاحتقان الأهلي الذي يهدد بالانفجار في أي وقت. والمستوى الثالث لدول تملك الحد الأدنى من الشرعية ولا تعبأ بأي معارضة داخلية أو خارجية كما هو الحال في ليبيا وتونس وسورية، وهي بلدان سيكون الانفجار الداخلي فيها مروّعاً إذا نضُجت مقوماته. والمستوى الرابع لدول سقطت بالفعل في براثن الفشل، وفقدت قدرتها على البقاء متماسكة، وذلك إما بفعل الاستنزاف الداخلي المتواصل، أو نتيجة للتلاعب الخارجي بأزماتها، وذلك كما هي الحال في اليمن والسودان والصومال والعراق ولبنان.
ربما كانت الضغوط الأميركية من أجل الإصلاح آخر فرصة أمام كثير من الأنظمة العربية كي تراجع نفسها وتعيد حساباتها، بيد أن الرغبة في احتكار السلطة تظل هي الأقوى، ما يجعل الوضع في معظم الدول العربية عالقاً الآن بين استقرار هشّ لا يضمن بقاء السلطة لدى محتكريها، أو تغيير عنيف سيكون أقرب إلى الانفجار الذاتي.

الثلاثاء، ٢٥ أغسطس، ٢٠٠٩

النظام المصري والإخوان .. هل تتغير قواعد اللعبة؟

BERJAYA الجزيرة نت - خليل العناني
منذ حادث المنشية أوائل الخمسينات من القرن الماضي، لم تصل العلاقة بين جماعة الإخوان المسلمين والنظام المصري إلى درجة من التوتر والاحتقان على غرار ما هو حادث اليوم. ودون مبالغة فقد انتقلت العلاقة بين الطرفين من مجرد مواجهة سياسية محسوبة كي تصل إلى حد معركة صفرية، وفق قاعدة "إما نحن وإما هم". ويقبع في خلفية المواجهة الراهنة شعور متبادل بين الطرفين بأن المعركة قد أوشكت على نهايتها. فبعض أجنحة النظام في مصر بات لديها شعور عام بأن الجماعة تعيش أكثر لحظاتها انعزالاً وضعفاً على المستويين الاجتماعي والسياسي، ما يغري بمواصلة الهجوم عليها تمهيداً لاستئصالها. في حين تشعر الجماعة بأن النظام الحالي قد وصل إلى أقصي درجات الشيخوخة والعجز التي قد يسهل معها إزاحته عن مكانه. ويبدو أن كليهما يتحين الفرصة من أجل توجيه "الضربة القاضية" التي قد ينهي بها غريمه على غرار الحال في مصارعة الثيران.
على مدار ربع قرن (1981-2006) كانت العلاقة بين جماعة "الإخوان المسلمين" في مصر ونظام مبارك تستند إلى معادلة ضمنية بسيطة يعرفها الجميع، وهي إتاحة المجال أمام الحركة للقيام بدورها الديني (الدعوي) والاجتماعي (الخيري) مقابل عدم تهديدها لبقاء النظام سياسياً. وقد عاش الطرفان في كنف هذه المعادلة حتى أوائل الألفية الجديدة قبل أن ينقلب النظام على الجماعة ويسعى لكسر تلك المعادلة التقليدية. وهو ما بدا واضحاً بعد الانتخابات البرلمانية التي جرت أواخر عام 2005، وحققت فيها الجماعة فوزاً تاريخياً حرّك الأرض من تحت أقدام الحزب الحاكم.
ومنذ بداية عام 2006 وإلى الآن يتبع النظام المصري إستراتيجية محسوبة وشاملة تستهدف عزل الإخوان اجتماعياً وضربهم اقتصادياً، وذلك تمهيداً لاستئصال شأفتهم السياسية، وتحويل الجماعة إلى ما يشبه قطعة أثرية يمكن وضعها في متحف التاريخ المصري.
وقد ارتكزت هذه الاستراتيجية على سبعة أركان أساسية نُجملها فيما يلي:
أولاً، شلّ الحركة دستورياً، وذلك من خلال تعديل بعض بنود الدستور المصري لمنعها من خوض أية انتخابات مجدداً وبخاصة المادة الخامسة من الدستور التي تجرم العمل السياسي القائم على أساس ديني.
ثانياً، تجميد النشاط السياسي للحركة من خلال منعها من تطوير أدائها البرلماني وتمرير أية مشروعات قوانين داخل مجلس الشعب المصري، فضلاً عن ضرب تحالفها مع القوى السياسية الأخرى، سواء من خلال ابتزاز هذه الأخيرة بمكاسب برلمانية، أو ترهيبها من المشروع السياسي والديني للجماعة الذي يراه البعض مماثلاً للنموذج الإيراني.
ثالثاً، ضرب البنية الاقتصادية للحركة من خلال اعتقال العشرات من رجال الأعمال ذوي الأوزان الثقيلة داخل الجماعة مثل خيرت الشاطر وحسن مالك ومدحت الحداد والتي تتجاوز استثماراتهم ملايين الدولارات، بالإضافة إلى بعض صغار رجال الأعمال المحسوبين علي الجماعة.
رابعاً، بتر الأذرع الاجتماعية للجماعة من خلال القبض على رؤساء المكاتب الإدارية للجماعة والمسؤولين عن خطط التواصل مع المجتمع، ووقف النشاط الخيري والاجتماعي للجماعة، وذلك مقابل إعطاء مساحة للجمعيات الخيرية المنتمية للتيارات الدينية الأخرى.
خامساً، تجميد النشاط الدعوى للجماعة من خلال السماح للتيار السلفي بالتغلغل في المجتمع ونشر أفكاره لمجابهة الخطاب "الإخواني".
سادساً، الحصار الإعلامي الشديد للجماعة، حيث تقوم السلطات المصرية برصد ومراقبة كافة المنابر الإعلامية التي تستخدمها الجماعة، ولولا وجود بعض النوافذ المستقلة كالجرائد الخاصة مثل جريدة "الدستور" و"الشروق اليومي" بالإضافة إلى المواقع الإلكترونية المحسوبة على الجماعة مثل موقع "إخوان أونلاين"، لتمّ خنق الجماعة إعلامياً.
سابعاً، المطاردة الأمنية المتواصلة للجماعة من خلال اعتقال أعضائها وكوادرها من كافة المستويات، وقد وصلت إلى ذروتها مؤخراً مع اعتقال خمسة من أعضاء "مكتب الإرشاد" (خيرت الشاطر ومحمد على بشر على ذمة المحكمة العسكرية، وأسامة نصر وعبد المنعم أبو الفتوح على ذمة قضية إحياء التنظيم الدولي بالإضافة إلى محمود حسين). وهي سابقة لم تحدث من قبل في علاقة الجماعة بالنظام الحالي.

مكاسب النظام
في ظل الاستراتيجية السابقة نجح النظام في تحقيق عدة مكاسب أهمها ما يلي:
- تحييد الشارع المصري تجاه أكبر حركة معارضة سياسية في البلاد، ولا غرو في القول بأن جماعة الإخوان المسلمين تعيش أكثر حالاتها عزلة سياسياً واجتماعياً، وذلك رغم وجودها البرلماني الكبير. وهي مفارقة تبرز حجم الضغوط التي تعرضت لها الجماعة خلال الأعوام الثلاثة الماضية.
- إرهاق الجماعة اقتصادياً من خلال سياسة "تجفيف المنابع المالية"، حيث تم إغلاق ما يقرب من عشرين شركة من الحجم الكبير ومثلها من الحجم الصغير لقيادات بارزة في الجماعة. ولربما كان ذلك أحد أسباب اللجوء إلى قيادات الخارج من أجل ضخ بعض المساعدات المالية في شرايين الجماعة (إذا صحت الرواية الرسمية).
- استنزاف الجماعة تنظيمياً وذلك من خلال القبض على كوادر الصفين الثاني والثالث، وربما يطال الأمر الصف الرابع إن وجد. وهو ما أثر فعلياً على قدرة الجماعة على الصمود في مواجهة النظام، وعلى التواصل مع قواعدها التنيظيمة بسبب غياب القيادات الوسيطة.
- خفض الحد الأدنى لتوقعات الجماعة وطموحاتها، بحيث تصبح تحت رحمة النظام سياسياً ومن ثم دفعها لتقديم تنازلات هيكلية تتعلق إما بحضورها البرلماني، أو نطاقها الجغرافي والاجتماعي.
وفي ظل ما سبق بيانه قد لا يكون من المبالغة القول بأن الخطوة القادمة للنظام المصري ستكون العمل على تفكيك جماعة الإخوان المسلمين وحلّ هيكلها التنظيمي، وبغض النظر عما إذا كان النظام قادراً على تحقيق هذا الأمر أم لا، فإنه قد يكون أحد الخيارات التي يتم التلويح بها لابتزاز الجماعة وضمان تطويعها

الأخطاء السبعة للإخوان
في مواجهة إستراتيجية النظام لإقصاء الإخوان يبدو أن الجماعة، لم ترق إلى مستوى التحديات التي فرضتها هذه الإستراتيجية. وكان رد فعلها أشبه بالتثاؤب، وذلك بعد أن اعتمدت قياداتها منهجية "المحنة والصبر" لتفادي مواجهة النظام. وبذلك فقدت الجماعة إحدى مزاياها التاريخية وهي القدرة على مقارعة النظام والتعامل معه بندّية، واستندت إلى مبدأ المظلومية الشعبية باعتبارها ضحية للنظام وللصراع بين أجنحته، وحاولت استدرار عطف الجماهير "المطحونة" تحت وطأة العيش والخوف من السلطة، وباتت كمن ينتظر الماء العذب من بحر لُجيّ.
لذا فقد وقعت الجماعة في أخطاء إستراتيجية كبرى ساهمت في إنجاح إستراتيجية النظام ضدها، وكرّست محاولات العزلة التي يسعى النظام لفرضها على تحركاتها، ويمكن إجمال هذه الأخطاء في سبعة عناصر أساسية على النحو التالي:
أولا: أخطأت الجماعة حين تصورت أن فوزها التاريخي في انتخابات 2005 سيعبّد الطريق أمامها للتربع على قمة الهرم السياسي المصري، ما جعلها تتناسى أنها لا تزال جماعة محظورة قانوناً. وكان منطقياً أن يكون أول مطلب للجماعة، وهي في أوجّ صعودها السياسي والشعبي، الحصول على صك الشرعية. بيد أن الجماعة فوتت على نفسها فرصة تاريخية، ولم تطلب إقامة حزب سياسي أو جمعية أهلية يمكن أن تعيدها إلى الحياة السياسية بشكل شرعي على غرار ما كان عليه الحال طيلة النصف الأول من القرن الماضي. ولم تلتفت الجماعة إلى هذا الخطأ إلا بعد أن زاد قمع النظام لها وإحالة عدد كبير من قادتها إلى المحاكمة العسكرية في فبراير 2007. وقد ترتب عن هذا الخطأ الاستراتيجي أخطاء تكتيكية أخرى سيأتي ذكرها لاحقاً.
وقد يقول البعض بأن النظام لن يسمح للجماعة في أي حال من الأحوال بامتلاك ورقة الشرعية، وهو قول وجيه، بيد أننا نتحدث عن مواجهة مفتوحة وصراع طويل يمتد لجولات، وكان يمكن للجماعة أن تكسب جولة "الحزب" لو التفتت إليها مبكراً، وكانت على الأقل قد كسبت الرأي العام إلى صفها في مواجهة رفض النظام إعطاءها صك الشرعية. وقد كان جزءاً من هذا الخطأ هو تحوّل الجماعة من إستراتيجية الهجوم على النظام التي اتبعتها طيلة عام 2005 خاصة خلال الفترة من مارس إلى مايو التي نزلت فيها الجماعة إلى الشارع للمرة الأولى منذ نصف قرن، وكان النظام حينذاك يدافع فقط ولا يقوى على مجاراة الجماعة شعبياً، إلى أن تحوّل الحال بعد الانتخابات وعادت الجماعة إلى إستراتيجية رد الفعل مقابل هجوم النظام المستمر حتى الآن.
ثانيا: أخفقت الجماعة في قراءة التحولات التي سوف تطرأ على المشهد السياسي المصري لاحقاً. ويبدو أن الشعور المبالغ فيه بالانتصار الانتخابي المفاجئ قد خلب ألباب الجماعة ودفع بأحلامها بعيداً عن أرض الواقع. فقد كان منطقياً أن يسعى النظام للانتقام من جميع خصومه السياسيين الذين تحدوه طيلة عامي 2004 و2005، وفي مقدمتهم الجماعة، والقضاة وأيمن نور والصحفيين المستقلين وحركة كفاية ... إلخ. لذا فقد استباح النظام الجماعة بشكل كامل بدءاً من يناير 2006 حين اعتقل عددا كبيرا من قيادات الصف الأول مثل حسن الحيوان الذي توفي بفعل الضغوط التي تعرض لها، وعصام العريان ومحمد مرسي ومحمود عزت ورشاد البيومي ولاشين أبو شنب وغيرهم. كما نجح النظام في تفتيت عرى العلاقة بين الإخوان وغيرهم من القوى السياسية، التي انصرف كل منها نحو شؤونه كي يحمي نفسه من بطش النظام.
ثالثا: أخطأت الجماعة حين استخفت برد فعل النظام على العرض المسرحي الذي قام به نفر من طلابها في جامعة الأزهر فيما عُرف لاحقاً بقضية "ميليشيات الأزهر". وقد تعاملت قيادات الجماعة بنوع من الاستخفاف والتجاهل مع تلك الحادثة، وذلك رغم ادعاءات النظام الصارخة في هذه القضية حول النزوعات العنفية للإخوان، وقد كانت هذه القضية بمثابة "القشة التي قصمت ظهر الإخوان". فمن جهة أولى، أعطت تلك الحادثة للنظام هدية كان يحلم بها منذ أربعينات القرن الماضي وهي نعت الإخوان بالجماعة "الإرهابية" عطفاً على العرض العسكري الذي قام به طلابها. وكانت المرة الأولى التي يصف فيها الرئيس مبارك جماعة الإخوان بأنها "خطر على الأمن القومي المصري" قبل أن يحيل معتقليهم إلى المحاكمة العسكرية التاسعة في تاريخ الجماعة والأكثر وطأة على الإطلاق. ومنذئذ باتت الجماعة جسداً رخوا ينهشه كل من يرغب في التقرب إلى السلطة، وارتفعت وطأة الملاحقة الأمنية لأعضاء الجماعة في كافة المستويات.
رابعا: فشلت الجماعة فشلاً ذريعاً في تعبئة الرأي العام ضد أطول وأشرس محاكمة عسكرية في تاريخ الجماعة منذ العهد الناصري. فقد شملت المحاكمة نحو أربعين من قيادات الجماعة ذوي الوزن الثقيل داخلياً وخارجياً. وقد اضطلع أبناء المعتقلين بالعبء الأكبر في الترويج للمحكمة وملابساتها. وقد كان سوء تقدير الجماعة في التعاطي مع هذه المحاكمة بمثابة سقوط آخر حائط صد في مواجهة نظام مصمم على مواجهتها.
خامسا: وقعت الجماعة في خطأ تاريخي بالتعجّل في الإعلان عن برنامجها الحزبي، وذلك من دون دراسة واعية. فقد كان إعلان المرشد العام للجماعة في السابع عشر من فبراير 2007 (بعد عشرة أيام فقط من تصريح الرئيس مبارك حول خطورة الإخوان، وبعد أسبوع من إحالات قيادات الجماعة للمحاكمة العسكرية) عن نية الجماعة إصدار برنامج حزب، مجرد خطوة تكتيكية وليست خياراً استراتيجياً واضحاً. وكان الهدف من ذلك مجرد نقل المواجهة مع النظام إلى الساحة الفكرية بدلاً من المواجهة الأمنية المتصاعدة. وعلى عكس المأمول منه، فقد كان برنامج حزب الجماعة بمثابة ضربة ذاتية وجهها المحافظون للجماعة بسبب الأفكار المحافظة والغموض الذي خرج به البرنامج الذي صدر على عجل ودون دراسة متعمقة لما يمكن أن يثيره من إشكالات دينية وسياسية، وهو ما زاد من طوق العزلة على الجماعة.
سادسا: أخطأت قيادات الإخوان في قراءة تحولات المزاج العام في مصر، خاصة زيادة مساحة الاحتقان الاجتماعي واتساع رقعة الغضب الشعبي. وقد كانت هناك فرصة ذهبية لفك طوق العزلة عن الجماعة من خلال الالتحام مع فئات الشعب الغاضبة التي دخلت في سلسلة من الإضرابات والاعتصامات العمالية والمهنية، لم تحاول الجماعة الاستفادة منها مطلقاً. وهي بذلك فوتت على نفسها لحظة نادرة كان يمكن أن تعيدها إلى قلب النقاش السياسي والاجتماعي المصري، وأن تزيد التحامها بكافة الفئات الكادحة باعتبارها جماعة وطنية تدافع عن مصالح الجميع، وليست مجرد جماعة فئوية تكترث فقط بمشاكل أعضائها.
سابعا: كررت الجماعة أحد أخطائها التاريخية برفع سقف خطابها الخارجي، وعدم التفرقة بين الدعم الرمزي والمعنوي الذي تقدمه لحركات المقاومة العربية مثل حزب الله وحركة حماس، وبين متطلبات المصلحة الوطنية المصرية من جهة، وتعقيدات اللعبة مع النظام من جهة أخرى. فقد بدا خطاب الجماعة خلال العامين الأخيرين أشبه بالخطاب الناصري الذي يبالغ في التصريحات دون اتخاذ مواقف وسياسات واقعية. وقد استغل النظام السياسة الخارجية للإخوان (لو جاز التعبير) من أجل زيادة مساحة عزلتها عن التيار العام في مصر (خاصة خلال الحرب على غزة وقضية خلية حزب الله). بل أعطت مواقف الإخوان خلال هاتين الأزمتين هدية جديدة للنظام من أجل حياكة قضية "إحياء التنظيم الدولي للجماعة" التي تم بموجبها اعتقال الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح وأسامة نصر عضوىّ مكتب الإرشاد، وهي بذلك تضيف ورقة جديدة للنظام في مواجهة الجماعة قد يستخدمها لاحقاً ضمن أية سيناريوهات لنقل السلطة.
فضلاً عن تلك الأخطاء الاستراتيجية فإن ثمة أخطاء تكتيكية وقعت فيها الجماعة ليس أقلها التصريحات غير المحسوبة لقيادات الجماعة وعلي رأسهم المرشد العام للجماعة، فضلاً عن قرارات المشاركة في انتخابات مجلس الشورى منتصف 2007 والانتخابات المحلية في إبريل 2008، بالإضافة إلى ردود فعلهم حول بعض القضايا الاجتماعية التي زادت الشكوك حول كفاءتهم. دون إغفال موجات التوتر المكتوم بين قيادات الجماعة وشبابها، والتي لا يخفيها سوى الانشغال بمعركة الجماعة مع النظام.
مخاطر قمع الإخوان
سؤال افتراضي ولكنه يظل محتمل الوقوع في أي وقت من الأوقات: ماذا سيحدث إذا تم القبض على المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين محمد مهدي عاكف؟
إجابة افتراضية: لا شئ !!
هكذا وصلت العلاقة بين النظام والإخوان والمجتمع، فالأول استطاع أن "يُرهب" الثالث (أي المجتمع) ويحيّده تجاه الثاني (أي الإخوان)، ولكنه في الوقت نفسه لم ينجح في استئصال الإخوان من المجتمع المصري. وعليه، بات الإخوان كما لو كانوا القدر الحتمي والمرّ في حلق هذا البلد، فلا النظام قادر على استئصاله ولا المجتمع قادر على هضْمه، وبات شعار الشارع المصري تجاه معركة الطرفين "الصمت هو الحل".
لذا فإن السؤال الأكثر جدوى ليس هو هل يجب دمج الإخوان في الحياة السياسية في مصر أم لا؟ وإنما السؤال المطروح بقوة: ماذا ستكون كلفة إقصاء الإخوان المسلمين، أو استئصالهم، بالنسبة للمجتمع والنظام بوجه عام؟
وابتداء، فإنه إذا كانت هناك نقاط خلاف كثيرة وتحفظات منطقية على الخطاب السياسي والديني لجماعة الإخوان، إلا أن ذلك لا يمنع أي باحث موضوعي من الاعتراف باعتدال الخطاب الإخواني عموماً، وقدرته على البقاء وسط موجات من الخطابات الدينية التي تهبّ دورياً على الساحة المصرية. كما أن هذه الجماعة لعبت، ولا تزال، دوراً مهما في ضبط إيقاع الخطاب الديني (الدعوى) المصري والابتعاد به عن متاهات الغلو وتفاهات التسطيح طيلة العقود الثلاثة الماضية. ولا يبعد تواتر الكشف عن خلايا متطرفة خلال الآونة الأخيرة عن غياب الخطاب الإخواني وخطاب الأزهر الوسطي، واستفراد الخطاب السلفي المغلق بالفضاءين الديني والإعلامي.
قد لا يضير النظام المصري أن يقتلع الإخوان المسلمين من المجتمع المصري، وهو قطعاً لن يقوى على ذلك وإلا لفعلها أسلافه (عبد الناصر والسادات). بيد أن ثمناً باهظاً قد يدفعه المجتمع المصري نتيجة المواجهة العدمية بين النظام والإخوان.
وإذا لم يتم وضع حد للمواجهة الراهنة بين النظام والإخوان في مصر، فإن ثمة أخطارا عديدة تبدو محقة وتلوح في أفق الحياة السياسية المصرية.
فمن جهة أولى، من شأن زيادة قمع الإخوان أن يتعمق الاستقطاب داخل الساحة المصرية التي تغلي بفعل عوامل أخرى سياسية واقتصادية واجتماعية لا مجال للخوض فيها الآن.
ثانياً من شأن عزل الإخوان سياسياً ودينياً أن تتسع الساحة الثقافية والسياسية المصرية لخطابات دينية إما أكثر سطحية أو أكثر تشدداً بحكم الفراغ الذي يحدثه تغييب الإخوان عن الساحات العامة المصرية.
ثالثاً، من شأن زيادة مساحة القمع للإخوان أن يدفع ذلك ببعض قواعد الجماعة للخروج على قياداتها والقيام بتظاهرات عنيفة أو الدعوة للعصيان المدني. ولا مبالغة إذا قلنا بأن اعتقال القيادات الإصلاحية في الجماعة وعلى رأسهم عبد المنعم أبو الفتوح، هو أشبه بإعدام "سيد قطب" منتصف الستينات من القرن الماضي، وما أدى إليه من تأثيرات سلبية على شباب الإخوان وغيرهم من الشباب المتحمس دينياً آنذاك.
ويكفي أن نلقي نظرة على منتديات الإخوان ومدوناتهم لمعرفة مدى الاحتقان والتوتر التي وصلت إليه القواعد الإخوانية بعد اعتقال أبو الفتوح، ودعوتهم الصريحة لقيادات الجماعة بالتحرك واتخاذ مواقف صارمة تجاه النظام.
رابعاً من شأن اعتقال الإصلاحيين والمعتدلين داخل الجماعة، أن يتم دفعها باتجاه الانغلاق والميل نحو المحافظة وهو ما قد يفيد النظام مؤقتاً، ولكنه يضر بالمجتمع في المدى البعيد.
خامساً، من شأن عزل الإخوان أن تصبح الساحة خالية أمام ظهور حركات دينية متشددة تسعى لملء الفراغ الديني والسياسي بين الدولة والمجتمع.
سادساً، قد يؤدى استهداف الإخوان إلى انفراط الجماعة وتشرذمها إلى جماعات وجيوب صغيرة لا تلتزم برأي قادتها السياسية.
مستقبل العلاقة بين النظام والإخوان
جرى العرف في العلاقة بين النظام المصري وجماعة الإخوان أن ينتهي كل تصعيد في هذه العلاقة بعقد صفقة سياسية أو التوصل إلى تفاهمات أمنية وسياسية. وقد حدث ذلك مرات عديدة كان آخرها خلال عام 2005 حين سمح النظام للجماعة بدخول الانتخابات البرلمانية بحرية ملحوظة مقابل عدم التحالف مع جهات داخلية أو خارجية للضغط على النظام، وعدم تأييد المرشح الرئاسي أيمن نور. وقد تحقق للطرفين ما أرادا. الآن يجري الحديث عن صفقة محتملة بين الإخوان والنظام، وهو ما أستبعد حدوثه لعدة أسباب:
أولها أن النظام المصري ليس في حاجة الآن، على الأقل مقارنة بعام 2005 لدعم الإخوان المسلمين أو إسكاتهم، بل على العكس يبدو وكأنه يمتلك اليد العليا في علاقته بالجماعة وذلك بعد التعديلات الدستورية الأخيرة التي تحرم الإخوان من أي مشاركة سياسية أو انتخابية ولو نظرياً.
ثانيها، أن جماعة الإخوان في حالة عزلة وضعف شديدين ما يغري بمواصلة الهجوم عليها وليس التفاوض معها ومساومتها.
ثالثها أنه ليس لدى الإخوان ما يمكنهم المساومة عليه أو إعطاءه للنظام باستثناء سكوتهم عن ملف توريث الحكم لجمال مبارك. فالضغط الأمريكي من أجل الديمقراطية قد خفت، والحركات الاجتماعية الجديدة تبدو في واد آخر، والأحزاب المصرية تعاني حالة الموت البطيء، والشعب منصرف لقوت يومه.
رابعها، أن النظام نجح في تفكيك عرى العلاقة بين الإخوان وبقية القوى السياسية، وقد أغرى هذه الأخيرة بمكاسب معتبرة قد تحصل عليها خلال الانتخابات البرلمانية المقبلة وذلك إذا ما تخلوا عن الإخوان وصمتوا على قمعهم على غرار ما هو حادث حالياً.
ولعل أقصى ما يمكن أن يقوم به النظام تجاه الجماعة، إذا ما أراد التهدئة معهم، فسيكون إطلاق بعض كوادر الصف الأول ورفع اليد الأمنية عنهم حتى حين، وهو ما لا يُتوقع حدوثه قبل نهاية الانتخابات البرلمانية أواخر عام 2010 أو حدوث نقل للسلطة قبل ذلك. وعلى العكس، وفي ظل ما سبق، فمن المتوقع أن يزيد النظام من قمعه للجماعة والضغط عليها ليس فقط انتقاماً لما حدث في 2005، وإنما أيضا تهذيباً وتأديباً لما قامت به الجماعة خلال الحرب على غزة أوائل العام الجاري فضلاً عن موقفها المرتبك فيما يُعرف بقضية "خلية حزب الله"، وهو ما دفع بالعلاقة مع النظام إلى نفق مظلم.
إن أسوأ ما يمكن أن تؤدي إليه استباحة النظام لجماعة الإخوان هو استنساخ "النموذج الجزائري" الذي حدث أوائل التسعينات من القرن الماضي حين انقلب العسكر والعلمانيون على اللعبة الديمقراطية وأوقفوا صعود الإسلاميين آنذاك، فكان أن تحولت الجزائر إلى بقعة كبيرة من الدماء لا تزال تنزف حتى الآن، وهو ما لا نتمنى حدوثه في أرض الكنانة، وأي قطر عربي آخر.

نقلاً عن موقع الجزيرة نت علي الرابط:

حتمية الاختيار بين الإسلاميين المعتدلين أو الراديكالين !!

BERJAYA
خليل العناني

دأبت النظم السلطوية العربية علي قمع الحركات الإسلامية المعتدلة، وهو ما دفع كثير من هذه الحركات إلي إعادة التفكير في جدوى المشاركة السياسية والعمل السلمي، خاصة في ظل عمليات القمع التي يتعرض لها أعضاء هذه الحركات علي نحو ما يحدث في حالة جماعة الإخوان المسلمين في مصر.
بيد أن السؤال الذي تهرب من مواجهته جميع الأنظمة العربية هو: هل هناك بديل للإسلاميين المعتدلين؟ الإجابة هي قطعاً بالنفي. فلا توجد أحزاب سياسية حقيقية في العالم العربي، بل هي مجرد أحزاب كرتونية غير مؤثرة سياسياً ومجتمعياً، في حين تبدو البدائل العلمانية والليبرالية في حالة يرثي لها، ولا تشكل بديلاً أو منافساً حقيقياً لهذه الأنظمة.
لذا فإن البديل الوحيد للإسلاميين المعتدلين هو الإسلاميين الراديكاليين والمتطرفين الذين يستخدمون العنف من أجل تحقيق أهدافهم السياسية. وهؤلاء يزداد وجودهم وتأثيرهم كلما ازداد إقصاء الإسلاميين المعتدلين، وكلما انشغل النظام عنهم بمواجهته مع المعتدلين.
وإذا كانت النظم العربية لا تريد حقاً أي مشاركة سياسية للإسلاميين المعتدلين، فليتم الإعلان عن حل وتفكيك تنظيماتهم وتسريح أعضاءها، وأن يتم فتح المجال للحركات والأحزاب العلمانية والليبرالية والقومية كي تحل محل الحركات الإسلامية. فهل هذا ممكن؟ قطعاً لا، ليس فقط بسبب قوة الإسلاميين وتجذرهم في المجتمعات العربية، وإنما أيضا بسبب حاجة النظم العربية لهؤلاء الإسلاميين من أجل تخويف الغرب واستخدامهم كفزاعة تضمن لهم البقاء للسلطة. ويبدو أن الغرب، خاصة الولايات المتحدة، لا يزال مقتنع بصلاحية وجدوى هذه الحيلة.
وسأضرب مثالاً علي ما سبق فيما يخص جماعة الإخوان المسلمين في مصر، فقد تعرضت الجماعة طيلة السنوات الثلاث الماضية لحملة من القمع والإقصاء ربما لم تحدث منذ المواجهة الشهيرة مع النظام الناصري خلال الخمسينات من القرن الماضي.
وعلى المدار السنوات الثلاث الماضية شهدت العلاقة بين نظام مبارك والإخوان قدراً كبيراً من التوتر والاحتقان بعد الفوز الكبير لها في انتخابات 2005. وخلال الشهور الست الأخيرة ارتفعت درجة المواجهة بين الطرفين كي تصل إلي حد الإقصاء السياسي والاجتماعي الكامل للجماعة، وذلك عقاباً للجماعة علي مواقفها خاصة في السياسة الخارجية.
صحيح أن علاقة الجماعة بالنظام لم تكن جيدة خلال التسعينات والنصف الأول من العقد الحالي، إلا أنها أيضا لم تصل لهذا المستوى من المواجهة، وكانت ثمة خطوط حمراء لا يتخطاها كلا الطرفين حفاظاً علي معادلة الاحتواء والبقاء.
لذا فإن الجديد في المواجهة الراهنة بين الطرفين هو القفز فوق ثوابت العلاقة وهو ما يتضح من خلال ثلاثة عناصر رئيسية، أولها إصرار النظام علي إقصاء الجماعة نهائياً من المشهد السياسي وذلك عبر استخدام كافة الأساليب الدستورية والسياسية والاقتصادية والأمنية. أي اللجوء لأسلوب المواجهة الشاملة مع الجماعة ومحاولة شكل حركتها السياسية.
ثانيها، إصرار النظام علي عزل الجماعة مجتمعياً سواء من خلال قطع الاتصالات بين الإخوان ودوائرهم الانتخابية والمجتمعية constituencies أو من خلال تشجيع التنظميات والجمعيات الأهلية الخيرية سواء التابعة للتيار السلفي أو للدعاة الجدد. ويحاول النظام الآن تطوير لائحة اتهاماته للجماعة من الاتهام التقليدي وهو "جماعة محظورة تسعي لقلب نظام الحكم" إلي جماعة متهمة بغسيل الأموال وممارسة الإرهاب والارتباط بتنظيمات خارجية مثل حزب الله وحماس، وربما تنظيم القاعدة في المستقبل.
ثالثها، استسلام الجماعة التام في مواجهة النظام وفشلها في تعبئة الرأى العام خلفها من أجل وقف قمع النظام لها والخوف من مواجهته.
لذا فإن السؤال ذي المغزى الآن هو: هل قرر النظام استئصال uprooting جماعة الإخوان المسلمين؟
بالطبع سوف يجيب البعض بالنفي، وذلك نظراً للقوة المجتمعية والبشرية للإخوان المسلمين التي قد تمنع استئصالهم تنظيمياً. بيد أن ما يقوم به النظام الآن هو أشبه الاستنزاف التدريجي للجماعة الذي قد يعرضها إلي نوع من "الانهيار الذاتي" خلال عقد من الآن.
صحيح أن الجماعة ستظل باقية كمجموعة من الأفراد الذين يتبنون خطاباً دينياً وسياسياً معيناً، وإنما هل ستكون هذه الجماعة قادرة علي نشر هذا الخطاب وتوسيع قاعدتها الاجتماعية؟ وهذا ما يريده النظام. حيث تحاول بعض الأجنحة تجميد الجماعة وإصابتها بنوع من السكتة الدماغية أو "الجلطة" حتي لا تقوى علي الحركة، وشلّ قدراتها التنظيمية بحيث تتوقف عن التمدد. وهو ما حدث بالفعل خلال العامين الأخيرين. حيث فشلت الجماعة في القيام بأي دور مؤثر علي الساحة السياسية المصرية، أو تكوين ائتلاف سياسي مع بقية القوى الحزبية من أجل الضغط علي النظام في أية قضايا سياسية أو اقتصادية.
والسؤال الذي يجب أن يفطن إليه هؤلاء هو: ما هو البديل عن جماعة الإخوان إذا ما قرر النظام حلّها أو تفكيكها؟ وأين سيذهب أعضاء الجماعة بعد تفكيكها؟ هنا يجب توسيع الصورة كي تتضح معالمها. فمصر تحتوى علي خليط وهجين من التيارات والتوجهات الإسلامية التي تتفاوت بين اليمين واليسار. صحيح أن النظام نجح في تفكيك جماعات العنف الإسلامية مثل جماعة الجهاد والجماعة الإسلامية، ولكنه لم ينجح في بتر والتخلص نهائياً من بذور العنف علي مستوى الخطاب الديني. فلا تزال هناك بعض الأفكار الجهادية الموجودة في الفضاء الديني المصري بانتظار من يتلقفها ويعيد إنتاجها وتوظيفها من خلال استخدام العنف. كما أن هناك نمواَ كاسحاً للخطاب السلفي الذي بات يهيمن علي الفضاء الديني والإعلامي في مصر بشكل غير مسبوق. صحيح أن الخطاب السلفي ليس مسيّساً ولا يهتم بالمشاركة في السلطة، ولكنه أيضا خطاب يتأثر بالمحيط الاجتماعي والاقتصادي الذي تمر به مصر حالياً. ناهيك عن تأثير العامل الديمغرافي ووجود طلب قوى بين الشباب على أفكار هذا التيار. وهؤلاء يمكن توظيفهم بسهولة ضمن أية مشاريع داخلية أو إقليمية لتهديد الاستقرار في مصر. ولا يكفي أن تكون الأجهزة الأمنية واعية ومتحكمة في هذا التيار، حيث يمكن لبعض الخلايا أن تفلت من قبضة الرقابة الأمنية، وتقوم بتشكيل تنظيمات صغيرة لديها أجندة سياسية متطرفة. لذا قد يصل النظام إلي نقطة اختيار حرجة بين الإبقاء على جماعة الإخوان أو إفساح المجال لجماعات وتنظيمات أكثر راديكالية وتطرفاً.
معضلة النظام المصرى أنه في الوقت الذي يضطهد فيه جماعة الإخوان، إلا أنه لا يتيح الفرصة لبدائل أخرى كي تنمو وتنافس الإخوان دينياً وسياسياً ومجتمعياً. كما أنه في الوقت الذي يوجد فيه أحزاب ممثلة لكافة التيارات السياسية كالليبراليين والقوميين والناصريين والعلمانيين لا يوجد حزب سياسي واحد يعبر عن الإسلاميين، حتى وإن كان من خارج الإخوان مثل حزب "الوسط الجديد" علي سبيل المثال، وهو ما يجب إعادة النظر فيه بجدية.