
خليل العناني
كثيرون وجهوا اللوم لجماعة الإخوان المسلمين بسبب عدم انضمامها للمتظاهرين في ميدان التحرير بعد اندلاع المواجهات مع قوات الأمن يوم السبت الماضي. وقد وقعت الجماعة في موقف عصيب بين قرار النزول للشارع من عدمه. وقبل تحليل قرار الجماعة يجب الإشارة إلي حقيقة مفادها أن أولئك الذين يوجهون اللوم للجماعة بعدم النزول، هم أنفسهم الذين لاموها بسبب نزولها في ميليونية يوم الجمعة 18 نوفمبر. أي أنهم يلقون باللوم علي الجماعة في جميع الأحوال، ودون أن يوجهوا اللوم إلي بقية القوى السياسية التي اتخذت نفس قرار الجماعة بعدم النزول.
أما فيما يخص قرار الإخوان بعدم النزول للتحرير فيجب وضعه في إطار الصورة الأوسع للأحداث. فأولاً هناك حالة استقطاب حادة وصلت إليها العلاقة بين الإخوان (بالإضافة إلي غيرهم من الإسلاميين) والمجلس العسكري بعد رفضهم تمرير وثيقة "المبادئ فوق الدستورية" التي وضعها علي السلمي نائب رئيس الوزراء. وهو ما يعني أن النزول قد يزيد من حدة هذا الاستقطاب وربما يؤدي إلي مواجهة غير مضمونة العواقب ليس فقط مع قوات الشرطة والمجلس العسكري وإنما أيضا مع بقية القوى السياسية التي تتربص بالجماعة. ثانياً، هناك قدر عالٍ من الضبابية وعدم اليقين حول كيفية اندلاع الأحداث وتصاعدها بشكل غير واضح، على الأقل حتى الآن، وهو ما فهمه الإخوان (وربما غيرهم) كما لو أنه محاولة مقصودة لتوريطهم في مواجهة مع المجلس العسكري. ولعل ذلك ما يفسر حديث الإخوان المتكرر في بياناتهم وتصريحاتهم عن وجود مؤامرة للزج بهم في هذه المواجهة. ثالثاً، هناك حالة انقسام وربما قطيعة بين الإخوان والقوى الليبرالية بسبب وثيقة السلمي، وهو ما يجعل أي نزول للإخوان بدون الليبراليين، إعطاء ميدان التحرير صبغة إسلامية واعتبارها محاولة لاستعراض القوة، ما قد يعني في أقل الأحوال تبرير قمع الإخوان وفي أسوأها تنفيذ السيناريو الجزائري والانقلاب علي الثورة وإلغاء الانتخابات. وهنا نأتي للنقطة الرابعة وهي أن نزول الإخوان للميدان كان سيعني، في حال استمرار المواجهات، تعطيل الانتخابات وإعطاء العسكر ذريعة للهروب من استحقاقات تسليم السلطة لحكومة مدنية منتخبة حسبما تقتضي خريطة الطريق التي أقرتها التعديلات الدستورية في 19 مارس 2011. أما النقطة الأخيرة فهي أن قرار النزول ربما رأه الإخوان "قراراً انتحارياً" لأنه لن يعني فقط الدخول في أول مواجهة مباشرة مع الدولة المصرية (المجلس العسكري هو الحاكم الفعلي لمصر شئنا أم أبينا) منذ عام 1954، وإنما أيضا خسارة كل المكاسب الكبيرة التي حققتها الجماعة منذ ثورة 25 يناير وحتى الآن. وقد يتساءل البعض أن مصر في حالة ثورة ما يعني استبعاد تكرار سيناريو 1954، وهذا صحيح، بيد أن عملية التفتيت وامتصاص الزخم الثوري والاستزاف السياسي التي جرت مع القوى السياسية طيلة الشهور التسعة الماضية (تماماً مثلما فعل عبد الناصر حين حظر الأحزاب في يناير 1953 وبعدها بعام تم حظر الجماعة في يناير 1954) يجعل أي قرار للإخوان بالنزول للشارع دون دعم شعبي وتحت مظلة سياسية واسعة مغامرة غير محمودة العواقب، وقد يؤدي في أقل الأحوال إلي حظر حزب "الحرية والعدالة" والزج بالعشرات من أعضاء الجماعة في السجون.
وهنا نأتي لقرار الإخوان بعدم النزول والذي يمكن فهمه وتحليله من خلال معادلة المكسب والخسارة في كلا الحالين (النزول أو عدمه). هنا يجب التعامل مع جماعة الإخوان ليس باعتبارها جماعة دينية محضة (هنا لا يمكن مقارنة الجماعة بالتيار السلفي الذي اتخذ قراراً بالنزول ليس فقط لأنه لا يتمتع ببنية تنظيمية يمكن ضربها أو حظرها وإنما أيضا كونه لا يتمتع بنفس الحجم والتأثير) وإنما باعتبارها حركة اجتماعية وسياسية لديها حسابات دقيقة ومعقدة تحكم عملية صناعة القرار بداخلها.
ونبدأ بقرار النزول، هنا قد تتمثل المكاسب فيما يلي: أولاً إرضاء المتظاهرين والمعتصمين في التحرير نفسياً ومعنوياً. ثانياً، تأكيد الطابع الجماهيري (وليس النخبوي) لجماعة الإخوان باعتبارها جماعة الشعب group of the people التي تتلاحم معه وتسانده في جميع الأحوال وليست منفصلة عنه. أما فيما يتعلق بالخسائر المحتملة فهي ما يلي: أولاً الدخول في مواجهة حتمية مع قوات الشرطة (وهنا لا نعرف إذا كانت الداخلية أم الشرطة العسكرية). وحتمية المواجهة هنا لن تأتي من رغبة الإخوان في ممارسة العنف بقدر ما ستكون رداً على استفزازات كلا الطرفين سواء الغاضبين من المتظاهرين أو الرد العنيف من الشرطة على احتجاجاتهم. أي سيقع الإخوان في ورطة لا مخرج منها، فهم إن لم يدافعوا عن المتظاهرين مثلما فعلوا فيما يُعرف بـ"موقعة الجمل" فسوف يُنعتون بالجبن والخذلان، وإذا اشتبكوا فسوف يُتهمون بممارسة العنف وسيتم استحضار كافة الذكريات عن عنف الجماعة في أربعينيات القرن الماضي ولن يرحمهم أحد. ثانياً، سيتم صبغ المتظاهرين والمعتصمين في التحرير باللون الإسلامي ما يعني مزيد من الانقسامات السياسية وربما الاجتماعية أفقياً وعمودياً من جهة، وإعطاء مبرر لقمع الإخوان من جهة أخري وحيئنذ لن يدافع عنهم أحد. ثالثاً، إعطاء مبرر للعسكر لإلغاء الانتخابات بسبب عدم استقرار الأوضاع الأمنية وانقسام المجتمع حول كيفية الخروج من المأزق.
أما فيما يخص قرار عدم النزول فإن مكاسبه تتمثل فيما يلي: أولاً، تجنب المواجهة الحتمية مع الشرطة والمجلس العسكري. ثانياً، عدم توفير أي ذريعة لتأجيل الانتخابات. ثالثاً، عدم توفير ذريعة لالغاء المسار السياسي رغم مساوئه لنقل السلطة إلي المدنيين. رابعاً، عدم زيادة الانقسام مع النخبة السياسية وتجنب دفع ثمن أخطاء العسكر دون غيرهم. خامساً، تجنب سفك مزيد من الدماء في ظل احتمالات خروج الأمر عن السيطرة خاصة من شباب الجماعة الساخطين.
أما خسائر عدم النزول فتتمثل فيما يلي: أولاً، تشويه صورة الإخوان إعلامياً وشعبياً بسبب تخاذلهم عن الانتصار للمتظاهرين والمعتصمين في التحرير. ثانياً، احتمالات تراجع التأييد الشعبي لمرشحي الإخوان إذا ما أُجريت الانتخابات. ثالثاً حدوث بعض التذمر والتوتر داخل الجماعة خاصة بين الشباب الذي قد يرفضوا قرار الجماعة بعدم النزول.
في ظل هذه الحسابات المعقدة، كان قرار الإخوان بعدم النزول، من وجهة نظرهم، هو الأفضل إن لم يكن لتحقيق المكاسب التي سبق ذكرها، فعلى لتقليل الخسائر وفق منطق أخف الضررين. فخسائر عدم النزول يمكن تعويضها علي المدى القريب، أما خسائر النزول فقد تكون كارثية وربما تعيد الجماعة إلي وضع ما قبل 25 يناير وهو ما لا يمكن لأحد في الجماعة أن يقبله مهما كان الثمن. وفي النهاية فسيظل التاريخ كفيلاً بالحكم علي قرار الجماعة بعدم النزول الذي حكمته غريزة البقاء.












